إعلان
إعلان

كتاب " مجالس دمشق " لمالك بن نبي

منذ 23 يومًا|قراءة في كتاب


  يُروى بتواتر عن مفكّر الإسلام وفيلسوف الحضارة في القرن العشرين، مالك بن نبي، رحمه الله، قوله لزوجته في آخر حياته "سأعود بعد ثلاثين سنة وسيفهمني الناس"، فقد عاش محاصرا في عصره، ومضايقا في أفكاره، غير أنه كان واثقا تماما أنها سَتُفَعَّلُ في يوم ما، وها قد صدقت نبوءة الرجل العملاق اليوم بعودة النخب الإسلامية في مختلف المستويات إلى مُدارسة رؤاه التي سبق بها زمانه قبل 75 عاما، وجعلت قيادات دول من قيمها الفلسفية والعملية مرتكزات لنهضتها الجديدة!
لقد كان بن نبي يؤمن أنّ "المشروع الإصلاحي يبدأ بتغيير الإنسان، فالإنسان هو الهدف و نقطة البدء في التغيير والبناء "، لذلك كرس حياته للبحث في مشكلات الحضارة، وبذل جهدًا كبيرًا لفهم مقوماتها.
ودفعًا لاهتمام القرّاء بمطالعة الكتاب في ظل الحجر الصحّي هذه الأيام، وتعميما للفائدة المعرفية الراقية التي حملها فكره الإسلامي النيّر، فقد ارتأى "الحراك الإخباري"، أن يعود إلى بسط تصورات الرجل الأساسيّة، من خلال عرض لأبرز مؤلفاته العالميّة ، واليوم سيكون موعدنا مع كتاب " مجالس دمشق ".
الكتاب يضم ست محاضرات في مشكلات الحضارة المعاصرة ودور المسلمين فيها، تحدث في الأولى عن مفهومي "القابلية للاستعمار والحضارة - الإسلام "، فأشار إلى أن سبب تأخر المجتمع الشرقي هو تعطيل الفكر لا وجود الاستعمار. وبنى في الثانية موضوع "الثقافة والأزمة الثقافية" على فرضيَّتين، سوءِ إدراك مفهوم الثقافة، وخلل التطبيق، فبين وضع الثقافة في المجتمع المسلم، وأثر المجتمع في ثقافة الفرد، وفرَّق بين الثقافة والعلم، وما ينتظر من الثقافة أن تقدم.
وتناول في الثالثة " الحقوق والواجبات" وأثر فهم المجتمع لها في نمائه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وبين أن المجتمع الآخذ في الارتقاء يقدم الواجبات على الحقوق. وتحدثت المحاضرة الرابعة " المرأة والرجل أمام واجبات واحدة في مرحلة النهضة"، عن أوضاع المجتمع المسلم، ومتطلبات النهوض به وإنقاذه.
وتناولت المحاضرتان الأخيرتان، وهما النتيجة لما سبق من كلام " دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين"، فمهَّد بالحديث عن أهمية أحداث القرن المشار إليه، وما يتصف به من التغيرات العميقة، وما حدث فيه من مخاطر مزقت الشباب، وأدت إلى إفلاس الحضارة الحالية والأديان القائمة وانهيار الأخلاق والقداسات وافتقاد الروحانيات، ومن هنا يبرز واجب المسلم الذي يحمل رسالة إنقاذ نفسه وإنقاذ العالم من الضياع. وفرق أخيراً بين الدين والرسالة. وفي سبيلها طالب المسلم بأن يعرف نفسه، ويعرف الآخرين، وأن يعرفها للآخرين وأن يرتفع إلى مستوى الحضارة، وفوق مستوى الحضارة الحالية.
"مجالس دمشق"، هو عبارة عن ستة محاضرات ألقاها في جوامع دمشق خلال زيارته لها في أواخر حياته بين عامي 1971 و1972.
وإذا شئنا أن نقدم تلخيصا سريعا للكتاب فقد تحدث فيه مالك بن نبي عن مفهوم "القابلية للاستعمار" وتوضيح أن هذا المفهوم هو المشكلة الحقيقية للأمة وليس الاستعمار "، وكذلك مصير الإنسان ليس في يده وهو مرتبط حتماً بواقع المجتمع، ناهيك عن سفينة المجتمع الإسلامي التي تغرق ويجب إيصالها إلى مرفأ "الإمكان الحضاري" بوسيلة أساسية وهي " الدين".
كما أكد أن الحضارة الإسلامية شيء والإسلام شيء آخر، متناولا مفهوم التداول التاريخي للحضارات والثقافات وأن العلم قيمة حيادية والأخلاق تحدد وظيفته، وتحدث عن القيم القصوى والقيم العليا والتمييز بينها، حيث أن كل حضارة حتى تقوم تحتاج إلى قيم قصوى تؤمن بها، قد لا تكون صحيحة بالضرورة مثل "الشيوعية"، وهذا يختلف عن القيم العليا التي نعتقد ونسلم بصحتها مثل "الإسلام" .

وفي المحاضرة الثانية حول "الثقافة والأزمة الثقافية" تحدث بن نبي عن
تضييع وتمييع مفهوم الثقافة بربطها بالترفيه والتسلية وكذلك الاعتقاد بأن العلم هو الثقافة وهذا خاطئ.
و عرف مالك بن نبي الثقافة بأنها هي الجو المتكون من ألوان وألحان ونغمات وروائح وسكنات وأضواء ومن جوانب مظلمة ، إنها هذا الجو كله الذي تتفتح فيه النفس وتشعر بوجودها في إطار عام، و أشار إلى أن العلم حيادي لا يقدم خيراً ولا شراً ولكنه يشرح كيف فقط، في حين أن الثقافة هي التي تدفع باتجاه الخير وغيابها يدفع باتجاه الشر، وأنّ الثقافة تنشئ رقابة بين "الأنا " والـ " نحن" وغياب هذه الرقابة يشير إلى وجود أزمة ثقافية .
وقال مالك بن نبي إنه ينتظر من الثقافة أن تحقق الانسجام بين الأفراد والمجتمع، أن تمنحنا قيماً جمالية، إضافة إلى الفعالية والتقنية والصناعة والعلم.

بينما كان معظم الحديث وجوهره في المحاضرة الثالثة "الحقوق والواجبات " مستمد من الآية الكريمة "وهديناه النجدين * فلا اقتحم العقبة"، أما النجدين فهما طريقا "الحقوق والواجبات"، والإنسان دائماً ما يختار الطريق الأسهل وهو طريق المطالبة بالحقوق دون خوض وعورة الواجبات وعلينا في سبيل نهضتنا أن نختار طريق الواجبات .

وشدّد في المحاضرة الرابعة "المرأة والرجل أمام واجبات واحدة في مرحلة النهضة" على أن المرأة والرجل على حد سواء في الواجب وهو واجب إنقاذ المجتمع، و يشير إلى أنه يجب أن لا ينصب اهتمام المسلم على العبادة الفردية، بل يجب الاتجاه نحو العمل والاهتمام الجماعي بمشكلات الأمة.
- يكثر بن نبي من الحديث عن نموذج السفينة الذي تحدث عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا"، للدلالة على أن المجتمع يقتضي وحدة أفراده ووحدة سلوكهم .
ويؤكد بن نبي على أن نظرته إلى واقع المجتمع الإسلامي ليست تشاؤمية ولكنها واقعية، وأن النقمة التي تحل بمجتمعنا هي رحمة من الله تؤدبنا وتعيدنا إلى الصراط القويم، وعليه يجب أن تكون رؤيتنا وتفكيرنا في حجم العالم والتاريخ كله، وعلينا تجنب التفاؤل السهل والكلمات العذبة في البداية حتى لا نقع في النتائج المريرة .
ويرى مالك بن نبي أن العلم أفلس وحان دور الروح ونهر التاريخ وصل إلى مصبه وكل الروافد تجمعت فيه وهي تهيئ لعودة الإسلام من جديد، معتبرا أن كل حقيقة لها جانبان : جانب الصحة وجانب الصلاحية ( أي صلاحية التطبيق ).
أما المحاضرة الخامسة والسادسة بعنوان " دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين"، فقد تحدث فيها عن فقدان العالم المتحضر لمبرراته الحضارية، مما قاده إلى أزمة خطيرة تمثلت في حيرة قائمة في العقول والنفوس والأرواح ويمكن تلخيص المشكلة بالكلمات التالية : ( تضخم الإمكان الحضاري في مقابل تناقص الإرادة الحضاري ).
وقال بن نبي إنه يجب على المسلم أن يرتفع إلى المستوى الحضاري الذي يؤهله تبليغ رسالته لباقي المجتمعات المتعطشة إلى القداسة والقيم الروحية، وأنّ رسالة المسلم هي إنقاذ نفسه وإنقاذ الآخرين وهذا يتطلب نوعاً من الإعجاز يتحقق باقتناع المسلم برسالته وإقناع الآخرين بها، ولا يتم ذلك إلا بتغيير جوهري من داخل المسلم ، بحيث يجب على كل مسلم أن يعرف نفسه و يعرف الآخرين ويعرّف الآخرين بنفسه.
ونشير في الختام أن هذا الكتاب الذي نشرته دار الفكر بدمشق في طبعة أنيقة، متوفر حصريّا بالجزائر لدى "دار الوعي"، مثلما لديها "المجموعة الكاملة لأعمال مالك بن نبي" لكل من يرغب في الاستفادة منها، حيث يمكنه التواصل معها عبر حسابها الرسمي على مواقع التواصل الاجتماعي.

تاريخ May 5, 2020