إعلان
إعلان

عندما يتحول الفايس بوك إلى "مفرغة" للمكبوتات والممنوعات والمحرّمات...!

منذ شهر واحد|الأخبار

تحولت مواقع التواصل الإجتماعي إلى مفرغة لمشاكل مختلف شرائح المجتمع، خاصة الفايسبوك، الذي أضحى فضاءا واسعا لطرح مختلف الأفكار والأراء، ومشاركتها مع الآخرين لمناقشتها وطلب مشورتهم. فكل شريحة أو فئة من المجتمع، إلا وأصبح لديها صفحتها أو مجموعتها الخاصة بها، ولا سيما فئة النساء الماكثات بالبيت، اللواتي يجدن في الفايسبوك متنفسا لهن ولجميع مشاكلهن، فمعظمهن عضوات في مجموعات مغلقة خاصة بالنساء العازبات أو المتزوجات، وحتى الأرامل أوالمطلقات، أو العاملات أو غيرها، حسب وضعية كل واحدة منهن، أين يعبرن عن مشاكلهن العائلية والزوجية بكل حرية وراحة، على هذه الصفحات، التي أتاحت لهن فرصة البوح بمكبوتات ومشاعر، لم تكن لهن الجرأة الكافية للبوح بها في الواقع، فالإختباء وراء الأسماء مستعارة والبروفايلاوت المزيفة، جعل لهذه شريحة من المجتمع، الجرأة الكافية لمشاركة كل أنواع مشاكلها، سواء نفسية، أو عائلية، أو زوجية، مع غيرها من النساء، وطلب النصح والإستفادة من تجارب وخبرات الغير.

فأصبحت مشاكل تربية الأولاد، دراستهم، مرضهم صحتهم، وحتى الخلافات العائلية، والزوجية، كالطلاق والزواج والمشاكل مع أهل الزوج والحماة، كلها تطرح، تناقش، وتحل في هذا الفضاء الأزرق، أمام مرأى الجميع، دون قيد أو حرج،  فالإختباء وراء جدار "النكرة" حطم كل قيّم الخصوصية وقدسية الأسرار الزوجية.

( شهيرة. ب) متزوجة وأم لثلاث أطفال تقول "أنا إمراة ماكثة بالبيت، أقضي معظم أوقاتي وحيدة، ولا أخرج إلاّ للضرورة، ولهذا أقضي وقتا كبيرا على فايسبوك، أتابع المجموعات النسائية التي وجدت فيها المتنفس الوحيد لمشاكلي وهمومي، حتى في تربيتي لأولادي أو إستفساري لبعض الأمور المتعلقة بدراستهم ورعايتهم، مستعينة باستشارات صديقاتي عبر الفايسبوك، ففي الواقع لا يوجد شخص أئتمنه على أسراري ومشاكلي، لكن في فايسبوك لا أحد يعرف الآخر جميعنا غريبات عن بعضنا، تجمعنا فقط مشاكلنا وحياتنا المتشابهة، لهذا أعتبره منفذي الوحيد، ولا أنكر أن لهذا الأمر بعض السلبيات، ولكنني تعلمت منه الكثير خاصة فيما يخص تربية أطفالي، وحل العديد من المشاكل العائلية التي واجهتني في حياتي الزوجية، كما أنني ولمجرد معرفتي أن هناك من يعيش نفس حياتي ويواجه نفس مشاكلي يشعرني بالطمأنينة والتفائل خصوصا، وأنني أقضي معظم وقتي حبيسة المنزل".

ليس الفتيات والنساء  المتزوجات وحدهن من اصبح الفايسبوك جزاءا من حياتهن اليومية، بل الأطباء ،المحامون التجار، الشباب البطال، كل منهم له صفحاته الخاصة، وحتى الطلبة والأساتذة لهم مجموعاتهم الخاصة على هذا الفضاء الأزرق، من أجل الإستفسار عن موعد العطل والإمتحانات ونشر الدروس والمحاضرات ومناقشتها.

يقول "أمين. ب" طالب بكلية الإعلام والإتصال بجامعة الجزائر 3 "أنا أعمل كتاجر وأدرس في نفس الوقت، ولهذ ليس لدي الوقت كي أحضر كل الدروس، وغالبا أذهب فقط من لاجتياز الإمتحانات، لكنني أحصل على كل المحاضرات والدروس من مجموعات الطلبة على الفايسبوم، حيث يقوم زملائي في الجامعة بنشرها في مجموعاتنا الخاصة، وحتى مواعيد الإمتحانات ونتائجها يتم نشرها، لذلك أنا لا أذهب إلى الجامعة إلا للضرورة، فالفايسبوك اختصر علي الكثير من الجهد والوقت".

لكن للمختصين رأي آخر في هذا التغلل الكبير لمواقع التواصل الإجتماعي في حياتنا اليومية، حتى أن بعض الأنشطة أصبحت لا تتم إلا بها.

يقول الدكتور عبد الكريم حمزاوي أستاذ جامعي وباحث في علم الإجتماع "هذه الوسائط أصبحت نظر علماء الإجتماع مثل الوسائط الكميائية التي تسرع عملية التفاعل لكنها لا تندرج ضمن المتغيرات الإجتماعية، والمجتمع الجزائري أصبح وسطا مناسبا، لها للتغلغل فيه، لتزيد من إنحلاله وتدهوره"، مضيفا "نحن لا نقول أن الفايسبوك أفسد المجتمع لكن الفساد السائد، اتخذ من الفايسبوك وسيلة لتعزير وتدعيم نفسه، فالفايسبوك مجرد وسيلة، والمجتمع هو الذي يحركها، في اتجاه سلبي أو إجابي، والتكنولوجيا لعبت الدور الأكبر في تسريع عمليات التفاعل السلبية، والتي بدورها ساهمت في تراجع القيم الأخلاقية.."

وحسب الأستاذ حمزاوي فإن "اعتماد مجتمعنا على الفايسبوك في بنيته وعلاقاته أدى إلى فشل رهيب في مختلف المجالات، سواء على الصعيد العائلي والأسري وما نتج عن ذلك من طلاق وتفكك أسري، أو على الصعيد العملي والعلمي، وما نتج عنه من إضعاف تحصيل جيل بأكمله من خرجي الجامعات والحاملين للشهادات العليا، من خلال تدعيمه لطرق الغش في الجامعات والمدارس.

ورغم كل هذا.. يبقى جديرا بالإشارة إلى أن المشكل ليس في الفايسبوك أو غيره من الوسائط، فنفس الوسائط الموجودة في مجتمعنا موجودة عند مجتمعات أخرى، لكن ما يختلف هو فقط الذهنية التي تتحكم في إستخدامها.

هدى بلقاسم

تاريخ Aug 16, 2019