إعلان
إعلان

هل من فائدة للصيرفة الاسلامية على الجزائر؟

منذ 6 أيام|الأخبار

          يعتبر صدور النظام الجديد رقم 20-02 الصادر في 15 مارس 2020 المحدد للعمليات البنكية المتعلقة بالصيرفة الإسلامية وقواعد ممارستها في البنوك والمؤسسات المالية إنجازا في حد ذاته بالنسبة للشعب الجزائري عموما وللاقتصاد خصوصا وهذا بعد جدال دام لأكثر من نصف قرن من الزمن، أي منذ بدايات انتشار الصيرفة الإسلامية في العالم، لكن ما لفت انتباه المتابعين للشأن الاقتصادي هو توقيت صدوره في عز أزمة كورنا وشبه شلل اقتصادي محلي وعالمي، وعليه سأحاول مجتهدا في هذه العجالة الإجابة عن السؤالين التاليين:

1-هل لتطبيق الصيرفة الإسلامية في الجزائر أثر إيجابي على الاقتصاد الجزائري؟

2-هل لتوقيت صدور هذا النظام علاقة بأزمة كورونا؟ وهل يمكن أن يقدم تطبيق الصيرفة الإسلامية حلولا اقتصادية في عز أزمة كورونا وشبه شلل اقتصادي عالمي ومحلي؟

أولا: فائدة تطبيق الصيرفة الإسلامية على الاقتصاد الجزائري:

      لا شك أن صدور هذا النظام هو انتصار في حد ذاته للشعب الجزائري، وأخيرا عشنا اللحظة التي تغلب فيها المشرع على عقدة ارتبطت به نتيجة أزمة سياسية سابقة، فقد تخلى المشرع الجزائري على التخوف من استخدام المصطلحات الإسلامية، بل وتعدى ذلك إلى التعريف بمختلف المصطلحات وصيغ التمويل المختلفة المعروفة في الاقتصاد الإسلامي من مشاركة ومضاربة ومرابحة واستصناع وغيرها، فربما كسرنا حاجزا مُهما نتوقع من ورائه كسر حواجز أخرى عاشت معنا عقودا من الزمن.

       ظل النظام المصرفي الجزائري ومنذ نشأته عاجزا على جذب مدخرات الأفراد بمختلف مستوياتهم إلا بحجم قليل جدا مقارنة بالدول الأخرى، فالطابع الإسلامي للشعب الجزائري جعله يرفض مبدئيا التعامل مع البنوك مخافة الوقوع في الربا، فيسعى جاهدا لعدم الاقتراض من البنوك لتلبية حاجاته المختلفة مهما بلغت درجة حاجته، هذا لتغطية حاجاته فما بالك بوضع أمواله في البنوك، والكثير من المدخرين لأموالهم في البنوك إما يتنازلون عن الفوائد الربوية للبنوك أو يتصدقون بها وهم يعتقدون أن هذه الصدقات غير مقبولة منهم ولا يجازون عليها من قبل الله سبحانه وتعالى، لذلك كان الهدف من عملية الادخار هو من أجل حفظ المال وفقط لا غير إلا ما تعلق ببعض رجال الأعمال، أي أن عملية الادخار غير مغرية ماديا بالنسبة لغالبية الشعب ولا تتماشى مع الفطرة البشرية.

     وحتى بوجود بنكين إسلاميين معتمدين في الجزائر (بالإضافة لبعض النوافذ الإسلامية)، بقي هاجس التعامل بالربا كبيرا في نفوس الجزائريين على اعتبار عدم وجود قانون خاص بالصيرفة الإسلامية ينظم العمل المصرفي الإسلامي، فقانون النقد والقرض لا يعترف بالتعاملات المصرفية الإسلامية.

      هذا الأمر أثّر كثيرا على الاقتصاد الجزائري فخسر حجم كتلة نقدية مجمدة وغير مستغلة اقتصاديا، فلجوء مختلف الأفراد على اختلاف مستوياتهم إلى الادخار التقليدي يكلف الاقتصاد كثيرا من خلال ضياع الفرص الناتجة عن استغلال تلك الأموال المدخرة تقليديا، وإعطاء البنوك قوة مالية إضافية لدعم النشاط الاقتصادي عموما والنشاط الاستثماري خصوصا.

    وبصدور هذا النظام بهذه الجرأة والوضوح باعتماد الصيرفة الإسلامية، ومع بداية اعتماد البنوك الإسلامية بشكل أوسع، ستكون هناك فائدة للاقتصاد وللأفراد على حد سواء وذلك من ناحيتين:

1.من ناحية المقرضين أو المدخرين: سيكون لتطبيق الصيرفة الإسلامية بهذه الجرأة والوضوح أثر على نفوس الأفراد بمختلف مستوياتهم كأثر الصدمة التي سيتوقع منها تغيير السلوك، وعلى خلاف ما سبق ستتميز هذه المرة عملية استقطاب البنوك لمدخرات الأفراد بالجاذبية، حيث ستقدم البنوك حسابات ودائع الاستثمار بهوامش أرباح تعود بالفائدة على الأفراد المدخرين، وهي بحسب مختلف الفقهاء في الدين جائزة وتعتبر من الأرباح الحلال، فهي نتيجة عقود مضاربة متميزة بالمخاطرة، يقدم من خلالها الأفراد المدخرين إلى البنك أموالا في شكل ودائع استثمارية يكون فيها البنك كمضارب بأموال الأفراد على أن يقتسم البنك والأفراد الأرباح في آخر السنة أو نهاية العقد، وتجدر الإشارة هنا أن ما يميز البنوك الاسلامية وبالنظر للترسانة المادية والبشرية والتكنولوجية التي تملكها أن نسبة مخاطرة عقود المضاربة فيها تكون متدنية، نظرا لكون حجم عقود المضاربة الرابحة أكثر منها بكثير من عقود المضاربة الخاسرة لذلك في الإجمال يكون حساب ودائع الاستثمار رابحا في الغالب، وهذا نتيجة التنوع والحجم الكبيرين في العقود التي تستثمر فيها البنوك أموال المودعين،

     وكنتيجة لذلك يتوقع جذب مدخرات الأفراد بشكل كبير في حسابات ودائع الاستثمار وستعطي للبنوك كما قلت سابقا قوة مالية إضافية لدعم النشاط الاقتصادي عموما والنشاط الاستثماري خصوصا.

1.من ناحية المقترضين: مع التنوع الكبير في المنتجات المالية التي تضمنها النظام الجديد للصيرفة الإسلامية من مرابحة، مشاركة، مضاربة، إجارة، استصناع وسَلم، سيتيح للكثير من أفراد الشعب بمختلف مستوياتهم من مستهلكين أو مستثمرين أو مقاولين أو فلاحين الفرصة للحصول على تمويلات لتغطية حاجتهم بحسب كل حالة، ومنه زيادة الحركة التجارية والصناعية والفلاحية والعقارية خصوصا إذا علم هؤلاء أن المعاملات خالية من الربا التي حرمها الله سبحانه وتعالى، وستكون معاملاتهم في إطار عقود إسلامية تشهد على صحة مشروعيتها هيئة رقابة ذات تأهيل عالي ، هذا الأمر سيزيل اللبس ويعزز الثقة بين البنوك ومحيطها، وستكون التمويلات البنكية مقابل عوائد ربحية نتيجة معاملات تجارية فعلية بين البنك وزبائنه، وليس قروض نقدية بحته يُنظر فيها إلى النقود كسلعة ترد بعد مدة مقابل نقدي أكبر من الذي تم أخذه، ومع زيادة حجم الادخار يُتوقع معه كذلك الزيادة والتنوع في تقديم التمويلات لمختلف شرائح المجتمع، وسيعود بالفائدة للاقتصاد وللفرد ككل .


ثانيا: هل لتوقيت صدور هذا النظام علاقة بأزمة كورونا؟ وهل يمكن أن يقدم تطبيق الصيرفة الإسلامية حلولا اقتصادية في عز أزمة فيروس كورونا وما تبعه من شبه شلل اقتصادي عالمي ومحلي؟

     ما لفت انتباه الكثير من المهتمين بالشأن الاقتصادي هو توقيت صدور هذا النظام الخاص بالصيرفة الإسلامية، إذا تزامن مع أزمة فيروس كورونا أو كوفيد-19 وما تبعه من شبه شلل اقتصادي عالمي ومحلي، فهل هناك حكمة من توقيت صدوره؟

     تبعا لما ذكرته سابقا وبدون شك أن لصدور هذا النظام أثر على الاقتصاد من خلال تحريك الكتلة النقدية المجمدة والمدخرة بطريقة تقليدية خارج النظام المصرفي، وفي سياق التطرق للفائدة المرجوة من توقيت صدور هذا النظام في عز هذه الأزمة، أنوه للنقاط التالية:

1.هذا النظام ليس المحاولة الأولى لتبني الصيرفة الإسلامية في الجزائر بل سبقه النظام رقم 18-02 الصادر في 04 نوفمبر 2018 والمتعلق بالصيرفة التشاركية، غير أن هذا النظام صرح بوضوح بتسمية الصيرفة الإسلامية كما فصل كثيرا في المصطلحات والمنتوجات المالية الإسلامية.

2.رئيس الجمهورية وفي مشروعه الانتخابي وعد بتبني الصيرفة الإسلامية وكذا الحكومة الحالية ومنذ تشكيلها في جانفي الماضي تبنت الصيرفة الإسلامية في مشروعها الحكومي، وقد حرصت الحكومة ورئيس الجمهورية في كل مرة بالتذكير بضرورة الإسراع في تبني الصيرفة الإسلامية، وآخرها صدور بيان في اجتماع لمجلس الوزراء قبل أيام بخصوص أزمة فيروس كورونا بضرورة تبني الصيرفة الإسلامية في أقرب وقت، هذا معناه أن هذا النظام الخاص بالصيرفة الإسلامية هو مشروع حكومي بدأ منذ انتخاب رئيس الجمهورية وتعيينه للطاقم الحكومي أي منذ جانفي 2020 وأزمة فيروس كورونا سرعت عملية التبني فقط ولم تكن سببا مباشرا في تبني نظام الصيرفة الإسلامية في حد ذاته.

3.أشار هذا النظام الجديد إلى وجود هيئة سماها "الهيئة الشرعية الوطنية للإفتاء للصناعة المالية الإسلامية" ودورها مهم في الترخيص للمنتجات المالية الإسلامية التي ستقدمها البنوك الإسلامية، وهذه الهيئة غير موجودة حاليا، يعني على الأقل سيتعطل العمل بهذا النظام إلى غاية تشكيل هذه الهيئة رسميا والبدء في عملها، لذلك من البعيد ربط إصدار هذا النظام بالأزمة الحالية لكونه غير جاهز للتطبيق في الحال.

4.إن عملية اعتماد بنوك جديدة ومنه ضخ سيولة جديدة في الاقتصاد مستبعدة على المدى القصير كون العالم كله يعيش أزمة مالية خانقة من الصعب التفكير في الاستثمار في الأجل القصير من قبل بنوك إسلامية أجنبية لتأسيس فروع لها في الجزائر.

5.هناك عجز كبير في الخزينة العمومية ويحتاج تغطية هذا العجز إما بتوفير إيرادات إضافية أو تقليص نفقات حالية، وهناك إجراءات خاصة بعمليات الميزانية العمومية اُتخذت بهذا الشأن وليس هذا هو المقام للحكم على نجاعتها، ولا أظن أن الحكومة تفكر في تطبيق الصيرفة الإسلامية للحد من عجز الميزانية العمومية في الأجل القصير فهذا غير ممكن.

   لكل الاعتبارات السابقة ولغيرها من المستبعد جدا أن يكون لصدور هذا النظام أثر مباشر على الأزمة الحالية التي تحتاج سيولة في الحين لمواجهة المتطلبات الكبيرة جدا، 

   غير أن الفائدة المتوقعة من تطبيق الصيرفة الإسلامية كبيرة لمواجهة مرحلة ما بعد هذه الأزمة من تحديات سيولة، حيث سيكون –كما أشرت سابقا- لمدخرات الأفراد التي ستجذبها الصيرفة الإسلامية دور كبير في إعادة الاقلاع الاقتصادي، حيث سيواجه الاقتصاد مصاعب كبيرة في السيولة وعلى الحكومة إيجاد الحلول لها وفي ظل تراجع أكبر مصدر مالي للحكومة وهو الريع البترولي نتيجة الانخفاض الكبير في أسعار بيع البترول عالميا، ورفض الحكومة لخطة طبع النقود التي لجأت إليها أغلب دول العالم بحكم التجربة المريرة السابقة (على الرغم من إيجابياتها في الوقت الحالي مع سحب السيولة الزائدة نتيجة الطبع بعد مدة فترة عن طريق طرح صكوك سيادية)، حيث تراهن الحكومة على توفير تلك السيولة اللازمة عن طريق تحريك الكتلة النقدية المجمدة والمدخرة خارج النظام المصرفي عن طريق جذبها باعتماد الصيرفة الإسلامية - كما ذكرت ذلك سابقا- وبعد ذلك تقديمها للقطاع الاقتصادي في شكل تمويلات متنوعة بحسب الحاجة وطبيعة النشاط الاقتصادي، لذلك سيكون دور الصيرفة الإسلامية كبير في الأجل المتوسط والطويل لإعادة تحريك الاقتصاد ومن ثمة المساهمة في تطوير الاقتصاد.

أ.د حمزة العرابي