من واشنطن: محمود بلحيمر
خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يزور البيت الأبيض للمرة الرابعة في ظرف ثمانية أشهر، خرجا إلى الصحفيين وتحدثا عن خطة لوقف الحرب في غزة، وشددا على ألا خيار أمام حماس سوى الموافقة وإلا سيتولى نتنياهو "إنهاء المهمة"، في إشارة إلى مواصلة الحرب المدمرة على غزة، التي شارفت على عامها الثاني، وتصفُها الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية بأنها "حرب إبادة".
لم يفسح ترامب ونتنياهو المجال للصحفيين لطرح أسئلتهم، كما هي العادة، وغادرا المؤتمر الصحفي مباشرة بعد أن تلى كل منهما بيانه، وهو ما أبقى الخطة على غموضها. هناك عدة ملاحظات على هذه الخطة أوردها كما يلي:
أولا؛ باستثناء الإفراج عن الرهائن خلال 72 ساعة وإطلاق سراح أسرى فلسطينيين وإدخال المساعدات، تتضمن الخطة خطوات معقدة للغاية ومن دون آليات تنفيذية واضحة ولا آجال زمنية محددة. وهي فضفاضة أكثر من الاتفاقيات السابقة التي لم يُكتمل تنفيذها ما مكّن إسرائيل من مواصلة الحرب وتدمير غزة. وتبدو الوثيقة كخطة أميركية جديدة للسلام ستنفذ على سنوات، تتضمن إدارة دولية مؤقتة لغزة، وخطة لإعادة الإعمار ومشاريع استثمارية بغزة، وإصلاح السلطة الفلسطينية، ونزع سلاح الفصائل المسلحة، و إجراء حوار بين الأديان، و"قد تتهيأ الظروف أخيراً لمسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة" وفق الوثيقة.
ثانيا؛ خطة البيت الأبيض تتماهى تماما مع رؤية نتنياهو لما بعد الحرب. فترامب لا يزال أسير السردية الإسرائيلية. ونتنياهو قال صراحة في المؤتمر الصحفي "إنها تحقق جميع أهدافنا من الحرب.. واليوم التالي في غزة" الذي يجري الحديث عنه منذ فترة. ويقول محللون إن نتنياهو يسعى لتحقيق ما عجز عنه عن طريق الحرب من خلال خطة البيت الأبيض. وهذا يعني أن جولات المفاوضات السابقة طويلة الأمد كانت سرابا، فسحت فقط المجال للآلة الحربية الإسرائيلية لتخلق ديناميكية جديدة على الأرض. وما تفصح عنه الخطة أن ترامب ومعه نتنياهو يلوحان بأنهما يملكان القوة والنفوذ، فلا مجال للحديث عن المفاوضات، وأمام حماس خياران: إما قبول الخطة أو سيتواصل الجحيم بتدمير ما بقي من غزة وتهجير سكانها.
ثالثا؛ تتحدث الخطة على ضرورة "موافقة حماس والفصائل الأخرى على عدم الاضطلاع بأي دورٍ في حكم غزة" وعن نزع سلاحها. وسبق لحماس أن صرحت أنها لا تريد حكم غزة مستقبلا، لكن بند نزع السلاح قد يعيق التوصل إلى اتفاق على الخطة المطروحة.
رابعا؛ خطة ترامب جاءت في سياق ضغط دولي كبير، فالولايات المتحدة تبقى القوة الدولية الوحيدة المساندة لحرب نتنياهو ووجدت واشنطن نفسها محرجة ومعزولة أمام رأي عام دولي مفزوع من صور التجويع وقتل الأطفال في غزة، واعتراف حلفائها فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا بالدولة الفلسطينية. بينما يواجه نتنياهو، المتابع من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب، انتقادات داخلية من عائلات الرهائن وضغوط دولية، كما حصل مع إسبانيا مثلا، وأيضا انقلاب الرأي العام الغربي على إسرائيل بسبب جرائم الحرب ضد المدنيين في غزة.
خامسا؛ سيتولى ترامب بنفسه إدارة غزة برفقة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، بينما تم استبعاد الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية من إدارة غزة. فحسب ما ورد في البند التاسع ستُدار غزة "في ظل حوكمة انتقالية مؤقتة من خلال لجنة فلسطينية تكنوقراطية غير سياسية، تكون مسؤولة عن إدارة الخدمات العامة والبلديات اليومية لسكان غزة. ستتكون هذه اللجنة من فلسطينيين مؤهلين وخبراء دوليين، تحت إشراف ورقابة هيئة انتقالية دولية جديدة تُسمى "مجلس السلام"، ويترأسها الرئيس دونالد ترمب، مع أعضاء ورؤساء دول آخرين سيُعلن عنهم، من بينهم رئيس الوزراء الأسبق توني بلير." كما ورد في الوثيقة.
مع التذكير أن بلير، الذي إنضم إلى جورج بوش في غزو العراق عام 2003، شارك في اجتماع بالبيت الأبيض في 27 أوغسطس الماضي، حضره ترامب وصهره ومستشاره السابق في البيت الأبيض جاريد كوشنر، والمبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، الذي صرح حينها أن واشنطن تعمل على إعداد خطة "شاملة جدًا" لـ"اليوم التالي" بعد انتهاء الحرب، ويبدو أن هذه الخطة كانت نتاج ذلك الاجتماع.
سادسا؛ لن يكون هناك دور للسلطة الفلسطينية إلا بعد أن "تُكمل برنامج إصلاحها"، وفق الخطة، التي أشارت إلى "المقترح السعودي-الفرنسي"، دون تفاصيل، بينما دعت فرنسا والسعودية إلى حل الدولتين، علما أن نتنياهو كرر مرارا معارضته الشديدة لإقامة دولة فلسطينية. ومع ذلك تتحدث الوثيقة في البند ما قبل الأخير عن إقامة الدولة بعد " تقدم إعادة إعمار غزة، ومع تطبيق برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية بأمانة، قد تتهيأ الظروف أخيراً لمسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة"، وفق خطة ترامب.
وموضوع إصلاح السلطة الفلسطينية مثير للجدل فهناك مطالبات وضغوط أميركية وإسرائيلية على سلطة محمود عباس في رام الله، مثل وقف ملاحقة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية بخصوص الانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين ووقف تسديد مساعدات لأسر القتلى الفلسطينيين أو السجناء السياسيين في السجون الإسرائيلي، ومحاربة الفساد، لكن تقارير عدة تقول إن نتنياهو عمل باستمرار على إضعاف السلطة الفلسطينية.
سابعا؛ رغم حديث خطة ترامب عن عدم تهجير الغزيين من القطاع وعن أن "إسرائيل لن تحتل غزة أو تضمها" لكن يبدو أن فكرة ترامب بامتلاك غزة وجعلها "ريفيرا الشرق الأوسط" مدرجة في الخطة! حيث ورد في البند العاشر ما يلي: "سيتم وضع خطة ترامب للتنمية الاقتصادية لإعادة بناء غزة وتنشيطها من خلال عقد اجتماع للجنة من الخبراء الذين ساعدوا في ولادة بعض المدن المعجزة الحديثة المزدهرة في الشرق الأوسط، وصاغت مجموعات دولية حسنة النية العديد من مقترحات الاستثمار المدروسة وأفكار التنمية المثيرة، وسيتم النظر فيها لتشكيل أطرعمل للأمن وحوكمة فعالة لجذب وتسهيل هذه الاستثمارات التي ستخلق فرص عملٍ وفرصا جديدة وأملًا لمستقبل غزة. ستنشأ منطقة اقتصادية خاصة بتعرفة جمركية وأسعار دخولٍ تفضيلية يتم التفاوض عليها مع الدول المشاركة".
والسؤال المطروح أين الفلسطينيين من هذه الخطط الاقتصادية والاستثمارية إلخ..!؟
م. ب

