الحراك الإخباري - كما يراه الشيخ البوطي: إحياء جوهر الإسلام في حياة المسلمين
إعلان
إعلان

كما يراه الشيخ البوطي: إحياء جوهر الإسلام في حياة المسلمين

منذ شهرين|قراءة في كتاب

تأتي أهمية هذا الكتاب "إحياء جوهر الإسلام في حياة المسلمين"، للعلامة محمد سعيد رمضان البوطي، رحمه الله، من أهمية الأفكار والمشكلات المطروحة فيه، ومدى الحاجة إليها في هذه المرحلة الحرجة التي تعيشها الأمة. ففي حياتنا الفكرية والثقافية نقاط كثيرة تظلّ مضطربة بين دوافع المدّ والجزر، بل تظل مبددة تائهة خلف كلمات وعبارات هي إلى الرمزية أقرب منها إلى الكلام المبين. ولو كانت هذه النقاط هامشية في حياتنا الفكرية، إذن لهان الخطب، ولأجزنا لأنفسنا أن نجعل من موضوعاتها قصائد رمزية يفهمها كل سامع حسب ما يريد، وينال الشاعر بذلك رضا الجميع. ولكنها نقاط تتضمن أهم، بل أخطر قضايانا المصيرية، ومن ثم فهي لا تحتمل إلا البيان الجازم والنصوص المحكمة القاطعة.
ومن المسائل الجوهرية التي يثيرها المؤلف في ثنايا الكتاب الموقف من هل الدين عند النخبة: هل هو ظاهرة اجتماعية أم لا؟ ثم يعقب البوطي: وفي نظري أن خير ما يُلجئ رجال الفكر والعلم في بلادنا إلى تجلية آرائهم حول هذه القضايا الأساسية، وإلى الابتعاد عن استعمال العبارات ذات الدلالات العمومية أو الغامضة والمتشابهة، وإلى وضع النقاط على الحروف، إنما هو الحوار.. الحوار الوجاهي بين ذوي الأفكار المتعارضة والمذاهب المتخالفة. إذ الأساليب الرمزية والجمل الغامضة والمتشابهة، لا مكان لها بين طرفي حوار، وتلك هي مزية النقاش بين الأطراف، إنها تصقل الفكرة، وتصفيها من الشوائب وأسباب الغموض.
إن من أهم القضايا التي تنتظر الحلّ، وفق ما يطرحه الشيخ البوطي، هي مشكلة موقف الإنسان المعاصر من الدين؛ فمفكرو النهضة العربية المعاصرة لم يتخذوا موقفاً صريحاً وجريئاً من هذه القضايا إلى الآن، بينما اتخذ الأوربيون موقفاً صريحاً وحاسماً من هذه القضية، وحلوا المشكلة حلاًّ جذرياً عندما حدّوا من سلطان الدين، وأبعدوه عن التدخل في أمور الدولة وأمور العلم.
ورغبة من الكاتب في الاستجابة الصادقة لذلك، قال في المقدمة ها أنا ذا كواحد من هؤلاء المفكرين سأتخذ موقفاً صريحاً وحاسماً من هذه القضية، ولسوف أبتعد، جهد الاستطاعة عن استعمال العبارات الشمولية الغامضة أو المحتملة. إن مما هو معروف بداهة أن الدين المتعامل به في حياة الأوربيين، وفي منظورهم الفكري، ظاهرة اجتماعية أفرزها الفكر الإنساني خلال القرون الغابرة، وإن كانت له جذور ذاتية لا علاقة لها بصنع الإنسان، فيما يراه المؤمنون منهم. فمسيحية الغرب - فيما يعرفه الغربيون جميعاً - هي تلك التي صاغها بولص اليهودي، وقسطنطين الروماني. والأناجيل المتداولة ليست - فيما يعرفون ويعتقدون - تعبيراً عن الوحي؛ الذي كان يتنزل على سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام؛ وإنما هي كتابات ومذكرات لأولئك الذين يسمون بالرسل، جمعوا فيها أخبار المسيح وطائفة من أقواله. ومن ثم، فإنهم لا ينظرون إلى التعاليم والمبادئ المسيحية، على أنها أوامر إلهية نزلت على بني إسرائيل، أو على الناس عموماً، بحيث لا يسعهم إلا تطبيقها والالتزام بها، وإنما هي فيما يعتقدونه ويجزمون به، مجموعة أفكار وإلهامات وآراء متلاحقة ومتطورة، لقيت استجابة وقبولاً، ثم حظيت من المجامع الكنسية بالاحترام والتقديس. ومن هنا جاز لهم عموماً، وللباحثين الاجتماعيين منهم خصوصاً، أن ينظروا إلى الدين المتعامل به في حياتهم على أنه ظاهرة اجتماعية من نسج الناس وصنعهم. ومن هنا، يضيف البوطي، جاز لهم أن يجعلوا لأنفسهم سلطاناً في تطويره واستخدامه لما يرونه من منافعهم واتجاهاتهم، وتوسيع أو تضييق مهامّه وصلاحيته، شأنهم في ذلك كشأن من قبلهم.. فليس غريباً ولا مستهجناً في المجتمع الغربي أن يقترح باحث قانوني، أو عالم من علماء النفس أو الفلسفة، مثلاً؛ تغيير كثير من المبادئ والآداب المسيحية، أو توجيهها وجهة مخالفة؛ إذ إن ذلك شأنهم، بل ربما كان داخلاً في صلاحياتهم الاجتماعية، وإن كان الأخذ بتلك المقترحات قد يحتاج إلى إجراءات محددّة.
الخلاصة، بحسب المؤلف، أن الدين المتعارف عليه عند الغربيين ليس أكثر من ظاهرة إنسانية، ومن ثم فلا عجب أن يتخذوه أداة تسخير لبلوغ رغباتهم وتحقيق أفكارهم، بل لا غرابة في تطويعه لاتخاذه عوناً لتحقيق الكثير من أهوائهم ونزواتهم.
ونلتفت الآن إلى الإسلام؛ وهو الدين الذي يعتنقه الغالبية العظمى من سكان البلاد العربية والإسلامية، ونتساءل، يردف المؤلف، بحكم ما رأيناه من واقع الدين في المجتمعات الغربية - كيف ينبغي أن نتعامل مع الإسلام هنا؟.. أنتعامل معه هو الآخر على أنه ظاهرة إنسانية واجتماعية؛ فنستخدمه نحن أيضاً أداة لتحقيق اتجاهاتنا السياسية والاجتماعية وقناعاتنا الفكرية، ثم نقدّره ونلتزم به ضمن هذا النطاق؟
إن الإجابة العلمية والمنهجية عن هذا السؤال تقتضي - بدون ريب - أن نبدأ فننظر إلى الإسلام الذي نتعامل معه وندين به: ما هو وما حقيقته؟ ننظر إليه من خلال دراسة علمية حيادية دقيقة. فإن تبين أنه هو الآخر ليس أكثر من ظاهرة اجتماعية، تجمعت من إبداعات الفكر الإنساني وصنعه خلال القرون المتصرّمة، فإني عندئذ، والكلام للبوطي، لا أدعو إلى الحدّ من سلطانه فحسب، بل لا بدّ أن أذهب، بكل قناعة فكرية وطمأنينة وجدانية، إلى ضرورة التخلص من سائر قيوده وأثقاله، مردداً مع (سارتر) أطروحته التي يقول فيها: "إن من العبث أن نبحث عن قيم نقيد أنفسنا بها في عالم لا وجود فيه للخالق". أجل.. فإن ذلك أحرى من أن نجامل قيماً لا وجود لها، حتى وإن حصرنا وجودها في المعابد، وربطناها بموازين التربية والأخلاق، كما يفعل الغربيون، بحجة أن الدين عندهم وإن كان لا يتفق مع العلم ومقتضياته، إلا أنه في جملته ذريعة إلى الخير والحب وتصعيد الوجدان.
وما من ريب في أن اتفاقنا على اتخاذ ضوابط وقيود تحقق ما نراه مصلحة لنا، خير من أن نربط أنفسنا بقيود وضوابط لا يربطنا بها إلا وهم أنها ضوابط دينية منزلة من عند الله. أما إن قضى قرار البحث العلمي الموضوعي المتجرد من أي أسبقيات فكرية ونفسية؛ بأن الإسلام في أصوله الاعتقادية وبنيانه التشريعي، واقع ذاتي، ذو وجود موضوعي خارج ومستقل عن ذهن الإنسان وكيانه، وأنه ليس حصيلة الفكر الإنساني وإبداعه، فلا مناص عندئذ - إن أردنا أن نكون علميين وموضوعيين حقاً - من الخضوع لسلطانه والتقيّد بأحكامه، كما لا مفرّ لنا من الخضوع لأي ناموس أو نظام كوني مشاهد أمامنا، ذي وجود خارجي عن تصوراتنا وأذهاننا، ويغدو السعي في إقناع الغربيين وتقليدهم - والحال هذه - عبثاً سخيفاً ومضحكاً، لا يعبّر إلا عن ذلّ المهانة والتبعية العمياء في نفوسنا.
ونشير إلى أن هذا الكتاب القيّم الصادر عن دار الفكر السوريّة متوفر حصريا بالجزائر لدى دار الوعي، لكل من يرغب في الاستفادة منه، حيث يمكنه التواصل معها عبر موقعها الإلكتروني أو على حسابها الرسمي عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال وكلائها الموزعين المعتمدين.

تاريخ Oct 4, 2020