من واشنطن: محمود بلحمير
"إسرائيل ارتكبت، ولا تزال ترتكب، إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة". هذا ما خلصت إليه لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة. لكن العالم عاجز عن وقف هذه الإبادة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو الوحيد القادر على ذلك، لكنه لا يفعل. والخطاب القادم من البيت الأبيض يعطي الضوء الأخضر للحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل لكي تمضي في سياسة التطهير العرقي والإبادة في غزة، في ظل حديث عن "كنز عقاري" في القطاع.
فالخطاب الرسمي القادم من البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية يتجاهل تماما الحديث عن معاناة الفلسطينيين في غزة، لاسيما الحصيلة المروّعة للقتل البشع للمدنيين يوميا والتدمير الممنهج الذي تمارسه الآلة الحربية الإسرائيلية للمنازل والبنية التحتية المدنية في مدينة غزة. ومع ذلك يردد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو دوما نفس العبارات بشأن حرصهما على إعادة الرهائن والقضاء على حماس وضرورة استسلامها، لكنهما يتجاهلان بأن هذا النهج سيقضي بالتأكيد على ما تبقى من الرهائن وسيمضي بغزة إلى دمار شامل غير مسبوق، ربما يتجاوز الحروب التي شهدتها البشرية لحد الآن.
ترامب يتجاهل سؤال بشأن إقناع نتنياهو بوقف تدمير مدينة غزة
وكلما طُرح سؤال عن المعاناة الإنسانية الفظيعة في غزة من إبادة ومجاعة وتدمير تكون سردية واشنطن جاهزة: "نريد إعادة الرهائن إلى عائلاتهم بأسرع وقت والقضاء على حماس حتى لا تتكرر فظائع 7 أكتوبر..". كيف يتم ذلك عمليا؟ ليس هناك إجابة ولا محاولة لتقديم تصور عملي مقنع. عمليا، الحديث عن الإفراج عن الرهائن كلام فارغ مادامت المفاوضات مع الجهة التي تحتجزهم، حركة حماس، متوقفة منذ قصف إسرائيل لوفد حماس المفاوض في العاصمة القطرية الدوحة في 9 سبتمبر الجاري. مع الإشارة إلى أن هذه المفاوضات أثبتت أنها عقيمة، بل هي وهم، لأنها في الواقع غطّت على الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية لخلق وقائع على الأرض تجعل غزة منطقة غير قابلة للحياة تماما ومهجّرة من سكانها.
خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في لندن، امس الخميس، طرح صحفي بريطاني سؤالا على ترامب قائلا: "أنت الشخص الوحيد القادر على إقناع نتنياهو بوقف تدمير مدينة غزة، ووقف تجويع الفلسطينيين وقتل المدنيين. إن لم يكن الآن، فمتى ستمارس هذه السلطة وتطلب منه التوقف؟". رد ترامب بنفس الصيغ الجاهزة، والتي تتشابه مع سردية الحكومة اليمينية المتطرفة في تل أبيب، بالحديث عن ضرورة عودة الرهائن فورا والتذكير بهجوم 7 أكتوبر، والقول باستخدام حماس للرهائن كذروع بشرية إلخ. وهو ما يعني أن واشنطن لا ترى المعاناة الإنسانية في غزة ولن تضغط على نتنياهو لوقفها ولا تقدم أفاقا لتحرك دبلوماسي يوقف الحرب المدمرة هناك.
نفس الانطباع يُستنتج من زيارة ماركو روبيو إلى إسرائيل هذا الأسبوع، حيث تحدث عن "لحظة حاسمة" في حرب غزة، لكنه ينساق بحماس وراء السردية الإسرائيلية دون الإفصاح عن آفاق لمخرج سلمي وشيك، وما يستنتج من زيارته هو تزكية واشنطن لخطة إسرائيل بالمضي في العملية العسكرية الرامية لتدمير مدينة غزة واحتلالها.
سياسة واشنطن الحالية، وهي لا تختلف كثيرا عن سياسة الإدارة السابقة، هي ضوءٌ أخضر للحكومة اليمينية لنتنياهو لمواصلة الحرب. نذكر أن ترامب صرّح في يوليو الماضي بأن على إسرائيل "إكمال المهمة" بالقضاء على حماس، لكن العمليات العسكرية الإسرائيلية تخلّف يوميا قتلى مدنيين وتدميرا ممنهجا للبنايات والمرافق الحيوية في غزة. وتماشيا مع هذا النهج، استخدمت الولايات المتحدة، وللمرة السادسة، حق النقض (الفيتو) امس الخميس لإسقاط مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي في نيويورك، يطالب بوقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار في غزة، ويطالب إسرائيل برفع جميع القيود المفروضة على إيصال المساعدات إلى القطاع.
هذا الوضع دفع بمندوب الجزائر في المجلس عمّار بن جامع إلى القول: "أيها الأشقاء الفلسطينيون سامحونا أنتم في غزة حيث تأكلكم النيران ويخنقكم الركام، والمجلس لم يتمكن من حمايتكم وحماية نسائكم.."
نضيف هنا ألاّ ضغط في واشنطن يدفع ترامب إلى تغيير سياسته تجاه غزة. فالكونغرس يسيطر عليه الجمهوريون الموالون بشدة لترامب ولإسرائيل. مع استثناء بعض الأصوات الديمقراطية القليلة بمجلس الشيوخ، ومنهم السيناتور عن ولاية فيرمونت بيرني ساندرز، الذي صرّح يوم الأربعاء أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، مضيفا أنه "على مدار العامين الماضيين، لم تكتفِ إسرائيل بالدفاع عن نفسها ضد حماس، بل شنت حربًا شاملة ضد الشعب الفلسطيني بأكمله. ساندرس تحدث عن مقتل ما لا يقل عن 65 ألف فلسطيني وإصابة 164 ألف آخرين، مشيرًا إلى قاعدة بيانات تابعة للجيش الإسرائيلي تُظهر أن 83 بالمائة من القتلى كانوا من المدنيين وجدد دعوته "لإنهاء تواطؤ واشنطن في ذبح الشعب الفلسطيني"، وفق تعبيره.
لكن ساندرس وزملائه القلائل في غرفتي الكونغرس الأميركي لا تأثير فعلي لهم في القرار السياسي بواشنطن، فقد فشلوا مرارا في التصويت على قرار يدعو لوقف شحن الأسلحة لإسرائيل.
غزة: التدمير والتهجير ثم الإستحواذ على "الكنز العقاري" !!
في هذه الأثناء، لا يخفي أعضاء الحكومة الإسرائيلية هدف الحرب: تدمير، تهجير ثم الاستيلاء على كنز عقاري! فعندما كان ترامب يتحدث الخميس في لندن عن غزة، صرّح وزير المالية الإسرائيلي المتشدد، بتسلئيل سموتريتش، بأن غزة "كنز عقاري"، مضيفا بالقول: "لقد انتهينا من مرحلة الهدم، وهي دائمًا المرحلة الأولى من التجديد الحضري، والآن نحتاج إلى البناء". وتحدث سموتريتش عن وجود مفاوضات مع الولايات المتحدة حول كيفية تقسيم غزة، زاعمًا وجود خطة عمل بهذا الشأن على مكتب الرئيس ترامب. وقبله بيومين فقط، قال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إنه يخطط لبناء "حي رائع" لضباط الشرطة الإسرائيلية في غزة بعد انتهاء العملية البرية في مدينة غزة.
ينبغي التذكير بأن فكرة التهجير واستغلال "الكنز العقاري" ليست جديدة، فلقد تحدث عنها صراحة جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب (زوج إيفانكا ترامب) و كبير المستشارين في البيت الأبيض خلال ولاية ترامب الأولى، في 15 فبراير 2024، أي بعد نحو 4 أشهر من بداية حرب غزة. كوشنر تحدث في مقابلة بجامعة هارفارد عن الإمكانات "القيّمة جدًا" لعقارات الواجهة البحرية في غزة، مقترحًا أن "على إسرائيل إزالة المدنيين أثناء قيامها "بتنظيف" المنطقة، وقال إنه لا يعتقد أن إسرائيل قد صرحت بأنها لا تريد من الناس العودة إلى هناك لاحقا.
لكن كوشنر (كان والده صديقا لنتنباهو وكان الأخير ينام في غرفة كوشنر عندما يزور نيويورك) تحدث صراحة عن تهجير الفلسطينيين من غزة عندما أعرب عن أسفه لعدم استقبال الغزاويين كلاجئين في حين أن اللاجئين السوريين استقبلوا في مناطق عدة منها تركيا وأوروبا، وفق تعبيره. ولا شك أن كوشنر يدرك تماما أن إسرائيل لن تسمح بعودة الفلسطينيين إلى غزة بعد "التنظيف" وإعادة البناء.
وبعد ذلك بعام، أي في فبراير من العام الجاري، وبعد أقل من شهر في البيت الأبيض، خرج الرئيس ترامب بفكرة سيطرته على غزة وتحويلها إلى "ريفيرا" الشرق الأوسط ونقل الفلسطينيين من القطاع إلى دول الجوار.. مع ملاحظة أن ترامب لم يعد للحديث عن "المشروع" في الشهور الأخيرة، ربما لنصائح من مستشاريه بتجاهل المشروع الذي ترك تساؤلات لدى الأميركيين والأجانب على حد سواء.
البيت الأبيض واليوم التالي للحرب
مستقبل غزة أو "اليوم التالي للحرب"، الذي ظل الحديث عنه جار منذ إدارة الرئيس السابق جو بايدن، كان محل اجتماع في مقر البيت الأبيض في 27 أوغسطس الماضي حضره ترامب وصهره جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني العمالي السابق، طوني بلير (الذي اتخذ قرار مشاركة بريطانيا في غزو العراق في 2003، وبعد ذلك ندم وحزن للقرار). لم تتسرب تفاصيل الاجتماع، واكتفى البيت الأبيض بالقول إنه "اجتماع سياسي"، لكن المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، قال لـ"قناة فوكس نيوز" إن واشنطن تعمل على إعداد خطة "شاملة جدًا" لـ"اليوم التالي" بعد انتهاء الحرب، مضيفا أنه يعتقد أن الحرب في غزة يمكن أن تنتهي خلال الأشهر الأربعة المقبلة. وأضاف: "سنقوم بحل هذه المسألة بطريقة أو بأخرى، وبالتأكيد قبل نهاية هذا العام.
لكن المسؤول الأميركي لا يقول كيف؟ وبأي ثمن؟ وكيف تستطيع غزة تحمّل أعباء 4 أشهر إضافية من الحرب، بوتيرة التدمير والثمن الإنساني الباهض والفظيع الحالي. فنحن أمام حرب غير مسبوقة على أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في مساحة جغرافية لا تتجاوز 365 كيلومترا مربعا. فالديناميكيات التي ستبرز في الأسابيع المقبلة ستخلق تحديات صعبة للفلسطينيين ودول المنطقة وأميركا نفسها،، لكن التاريخ سيسجل أن زعماء العالم فشلوا في وقف حرب إبادة نراها يوميا على شاشاتنا لشعب يرزخ تحت ويلات الاحتلال منذ أكثر من قرن.

