الحراك الإخباري - حرفيون يستغيثون وحرف تندثر".. الجوطابل" يقتل أصالة القصبة
إعلان
إعلان

حرفيون يستغيثون وحرف تندثر".. الجوطابل" يقتل أصالة القصبة

منذ 8 أشهر|الأخبار


 رغم الأغلفة المالية الكبيرة التي تم رصدها لترميم وإعادة الحياة للقصبة، ما يزال هذا الحي العتيق شاهدا على هدر المال العام، ليصنف ليصنف ضمن أكبر ملفات الفساد الثقافي في السنوات الأخيرة، دون أن يكون لتلك الأرصدة أي أثر على تحسين وضع القصبة، بل على العكس من ذلك، ما يزال الإنهيار مستمرا بشكل يهدد بسحب القصبة من قائمة التراث العالمي.
ورغم المبادرات الشبابية والمحلية التي أطلقت من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن تبقي هذه الجهود يتيمة حتى الآن.
يتم أسبوعيا تنظيم رحلات سياحية من قبل وكالات تبرمج كل يوم سبت، مقابل دفع مبلغ ألف دينار، وتمتد الجولة السياحية إلى أعالي القصبة، برفقة مرشد سياحي يشرح للزائرين معالم القصبة ومختلف المراحل التاريخية التي مرت بها، بما يمكنهم من الإستمتاع بمناظر المحروسة من الأعالي إضافة إلى تناول طبق السردين، لكن تبقى هذه الزيارات محدودة ومنقوصة في ظل الإفتقار للهياكل القاعدية التي بإمكانها جلب السواح مثل المقاهي والمطاعم، فضلا عن انعدام النظافة وتدهور محلات الحرف التقليدية التي تعد جزءا حيا من ذاكرة وتراث القصبة.
 أغلب تلك المحلات انقرضت أما من بقي وفيا لحرفة الأجداد فقد وجد نفسه مضطرا إلى الإنحناء لغزو الصناعات الصينية الرخيصة، والضعيفة النوعية، ما جعل الحرفيين والنحاسين في مقاومة مع الفناء التدريجي الذي يهددهم، لأن حرفة اليد اليوم لم تعد لها أي قيمة، فالناس لم تعد تبحث عن الجمال في الذوق بقدر ما يهمها أن تكون قيمة الشيء منخفضة.

عند مدخل قصر "خداوج العمياء" يقع محل السيد زحنون، هذا الرجل الذي يدخل عقدة الخامس مايزال يحن إلى طفولته في القصبة، يعرف الأزقة "زنقة.. زنقة"، ويعرف حتى الأنفاق التي شيدها العثمانيون لتربط المدينة بالبحر في حالة الطوارئ، والتي يقول بأنها انهارت تحت الردم...يقولها بكل حسرة وأسف، قبل أن يصبح هاويا لجمع القطع النادرة.
 السيد زحنون كان مثل جميع أبناء القصبة، حرفي نحاس، توارث الحرفة أبا عن جد، فقد تعلمها عن والده الذي تعلمها بدوره عن جده، وهكذا دواليك أما اليوم يقول: "من الصعب أن تقنع الشباب بتعلم حرفة، فهم يفضلون نصب طاولات السلع المستوردة في ساحة الشهداء، وكسب خمس آلاف دينار في اليوم عوض تعلم حرفة آبائهم وأجدادهم"..ويضيف "ناس زمان كانوا فنانين يا ابنتي".
في إحدى الدروب المؤدية إلى مجاهيل الحي العتيق، يقع محله، لفت انتباهي صوت آلة الخشب، وهي تقطع الألواح. وجه هادئ يعمل ازميله في القطعة الموضوعة أمامه، يعالجها بصبر، وتأني، كمن يعامل تحفة نادرة، على جدران المحل البسيط توجد صور للقصبة وأزيائها، وبعض الشهادات التي حازها، وهي كل ما أصبح يملكه ويفتخر به، امتهن النقش على الخشب منذ أن كان عمره 15 سنة كان يساعد والده الذي ترك له هذا المحل وصية قبل رحيله "ابني رجاءا لا تتخلى عن النجارة".. ذلك ما يجعله اليوم متشبثا بها، وإلا ما جدوى صناعة لا تدر عليك حتى قوت يومه. "لو كنت أبيع الكرنطيطا لربما كان وضعي أحسن" يقول خالد محيوت.
وأنت تهم بالنزول من أعالي القصبة إلى ساحة الشهداء، عبر الدرب الذي كان قديما يسمى زنقة النحاسيين، يجذب انتباهك صوت المذياع يرسل نغمات صوت قروابي، تتوقف مجبرا أمام التحف الصفراء ويغريك منظر الشيخ القابع خلف أدآنيته.
ما زال محل الهاشمي بن ميرة قائما هنا، قضى هذا الرجل عمرا بأكمله في نقش الأواني ومعالجة المعدن الأصفر، منذ 51 سنة، بدأ مزاولة هذه الصناعة، أي منذ عام 1958 ولم تتوقف مطرقته عن دق النحاس إلى يومنا هذا.
لم يبقى اليوم من بين 15 حرفيا مشهورا في فن النحاس إلا اثنين في القصبة، هو واحد منهم..."نحن اليوم نعاني إهمال الدولة لهذه الصناعة، نحن نستورد كل شيئ، إلا المادة الأولية الصالحة لمثل هذه الصناعات، الضرائب تثقل كاهل الصناع الصغار، وأجبرت أكثرهم على غلق المحلات وهجر هذه الحرفة".
سألته عن الشيء الذي يجعله متشبثا بها، رغم كل هذه العوائق فقال: "إنني أحبها، لا يمكنني هجرة صناعة فتحت عيني عليها، بالنسبة لي هي القصبة".
 كانت أزقة وشوارع القصبة تعرف بأسماء الصناعات والحرفة المنتشرة في كل زنقة، ومن ثم جاءت تسميات زنقة الحرارين، زنقة الصياغين، زنقة النحاسين زنقة الخياطين... وهكذا، وكان قديما، عندما يقول أحدهم "راني رايح للدزاير" كان يعني حتما القصبة أما اليوم فلم يبقى منها غير الخراب".
لا يمكن أن نتحدث اليوم عن ترميم القصبة، إلا بعودة الحياة إلى يومياتها، وهذا لن يكون إلا بعودة أصوات المطارق، وآلات الخياطة، وصيحات الباعة المتجولين، إلى هذه الدروب، يقول بوزيد صاحب ورشة لصناعة الأحذية...وجدناه في محله رفقة أحد رفقائه منهمكا في مداعبة آلة الخياطة، وهو يعالج الإبرة فوق الجلد، راح يتحدث عن مأساة انهيار وزوال الصناعات اليدوية من القصبة، تحت تأثير السلع الصينية التي فتحت الباب على"الجوتابل"، بينما لا تحرك الدولة ساكنا من أجل تشجيع والحفاظ على الصناعات التقليدية".
فزيادة على الضرائب غير المبررة التي تثقل كاهل الصناع الصغار، والتي دفعت أغلبهم إلى غلق محلاتهم، هناك مشكل غياب المادة الأولية وارتفاع أسعار السلع :"نحن نشتري المادة الأولية من السوق السوداء فكيف تريد الدولة أن ندفع لها ضرائب خيالية، ونحن ليس لنا عمل قار، خاصة وأن الحياة تغيّرت، ولم تعد مثل الأمس، حيث الناس لم تعد تعتمد على الصناعات المحلية"..ويضيف بحسرة كبيرة
"تريدين البحث عن ”صنايعية القصبة” اذهبي إلى ”المارشي” إنهم يشتغلون حمالين في ساحة الشهداء، هذا ما أراده المسؤولون، إنهم يقتلون دون وعي، ما تبقى من الصناعات هنا، يدفعون بأصحابها إلى هجرها وغلق محلاتهم، أتساءل لماذا يمارس أصحاب الحاويات مهمة نهب البلد بحرية، وراحة ويدفعون الضرائب بالدينار الرمزي، بينما نحن من نشتغل بعرق الجبين يكسروننا".. بهذه العبارات انفجر في وجهي محمد صاحب ورشة أحذية، لم يترك لي المجال للحديث ولا للتصوير اعتذرت منه لأنني ربما أزعجته واقتحمت محله دون سابق إنذار قلت هذا وخرجت لكنه لحق بي عند مخرج الحي وقال لي: "اسمحيلي يا أختي الله غالب إنني اشتغل"أونوار" وأخاف المشاكل". محمد يعمل خارج القانون لأنه مضطر أن يعيش وهو لا يتقن حرفة أخرى "الدولة لا تريد أن تحل مشاكل الصناع الصغار، غياب المادة الأولية وارتفاع أسعارها في السوق السوداء، مقابل هذا نحن نرى "الحوت الكبير" يستولي على ثروات البلد، إنهم لا يدفعون الضرائب، تصوري أنني ذهبت يوما لأحد المكاتب، من أجل مشكلة تتعلق بالضرائب، فقال لي أحدهم "ادهن السير اسير" من يومها قررت أن أعمل بهذه الطريقة إنني أجني قوت أبنائي في هذه الورشة، لا "أسرق ثروات البلد كما يفعلون هم.. لكن لن أدفع ضرائب، تفوق طاقتي، إنني لا أجني أكثر من 250 دينار في اليوم، وتمضي علي أيام أعيش فيها بالسلفة، لأن العمل يتوقف، وليس هناك من يشتري سلعتك، وفوق هذا تأتيك فواتير ضرائب تصل في الثلاثي إلى 70 مليون كيف؟ لا أدري؟" لم أجد ما أقوله لهذا الرجل غير الإعتذار منه مرة أخرى.
اخبرني محمد بصوت يشبه الهمس: "اسألي فقط لماذا هناك "حومات" بكاملها في القصبة، مخصصة لصناع الأحذية، لا يدفعون الضرائب هنا أيضا الجهوية لها تأثيرها، مهن بأكملها اختفت من هنا، الطرز، الخياطة، صناعة الذهب، وحياكة الطرابيش والبرانس التي لم يعد لها وجود، أصبح كل شيء يأتي من الصين ويرمى عند أول استعمال.
لكن مازال، برغم إهمال المسؤولين لهذا الحي العتيق، من يعشق القصبة ويتمسك بها، رغم الظروف الصعبة، لأن الحياة تكاد تكون شبه مستحيلة في بيوت ضيقة وأغلبها مهددة بالإنهيار، فيكفي أن تسمع صوت الحاج مريزق يصدح من مذياع أحدهم لتعرف أن روح القصبة يستحيل أن تموت حتى لو انهارت كل الجدران.

نعيمة . م

تاريخ Jan 21, 2020