من واشنطن: محمود بلحيمر
في خطوة اعتبرت تصعيدا غير مسبوق من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد خصومه، وجّهت هيئة محلفين كبرى، أمس الخميس، اتهامات لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق (أف بي آي) جيمس كومي، تتعلق بـ"الإدلاء بتصريحات كاذبة، وعرقلة إجراءات الكونغرس". هذه القضية وقضايا أخرى مشابهة يبدو أنها ستكون اختبارا لمدى قدرة الديمقراطية الأميركية على الصمود أمام العائد إلى البيت الأبيض، الذي يتهمه خصومه بالسعي لاستخدام سلطة ونفوذ الحكومة الفدرالية لملاحقة منافسيه السياسيين.
لم يخف ترامب كرهه الشديد لجيمس كومي، المدير السابق لمكتب التحقيقات الفدرالي، الذي اتهمه بالفساد وبأنه عدو الأمة، وكان يكيل له التهم في كل مناسبة. وكان ترامب أقال كومي عام 2017 في بداية ولايته الأولى بسبب التحقيقات التي باشرها "أف بي آي" حينذاك في القضية الشهيرة المتعلقة بتواطؤ أعضاء من حملة ترامب مع روسيا للتأثير على نتيجة انتخابات عام 2016. وقال كومي فيما بعد إن ترامب طلب منه "ولاءً مطلقا والتخلي عن تحقيق متعلق بمستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين".
ترامب ضغط على وزارة العدل لملاحقة مدير "أف بي آي" السابق
هناك حدثان هامان وقعا قبل توجيه الاتهام لكومي الخميس جعلا الديمقراطيين وخصوم ترامب يتهمونه بالانتقام من خصومه باستخدام السلطة القضائية، التي يفترض أن تكون مستقلة ولا تخضع إلا للقانون، لملاحقتهم.
الأول: أن ترامب حثّ علناً المدعية العامة، بام بوندي، على مقاضاة ثلاثة من خصومه البارزين: مدير "أف بي آي" السابق، جيمس كومي، والمدعية العامة في نيويورك ليتيشيا جيمس، والسيناتور الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا آدم شيف. وللثلاثة دور بارز في الملاحقات التي طالت ترامب؛ فكومي حقق في قضية التواطؤ مع روسيا في انتخابات 2016، وليتيشيا كانت وراء الدعاوى التي رفعت ضد ترامب في نيويورك والمتعلقة بالاحتيال، بينما لعب آدم شفت دورا بارزا في قضية محاولة عزل ترامب خلال ولايته الأولى حيث كان حينها رئيسا لجنة الاستخبارات بمجلس النواب.
ترامب قال الأسبوع الماضي في منشور على منصته "تروث سوشل": "لا يمكننا المماطلة أكثر من هذا، فهذا يضر بسمعتنا. لقد عزلوني مرتين ووجهوا إليّ اتهامات خمس مرات بلا سبب. يجب تحقيق العدالة".
الثاني: قبل أسبوع، حدث تغيير على مستوى الإدعاء في المنطقة الشرقية بولاية فيرجينيا؛ فقد استقال المدعي العام للمنطقة الشرقية لفرجينيا، إريك سيبرت، بعد مطالبة ترامب بعزله. ترامب قال إنه "لم يستقل بل أنا من عزله". وكان المدعي العام سيبرت قد أبلغ مؤخرًا كبار مسؤولي وزارة العدل بأن المحققين لم يجدوا أدلة كافية لتوجيه اتهامات إلى كومي. ثم عيّن ترامب ليندسي هاليغان مدعية عامة مؤقتة خلفا للمدعي العام المستقيل. وهاليغان موظفة في البيت الأبيض وقبل ذلك كانت محامية لترامب، ولا تملك خبرة في مجال تحقيقات الإدعاء. وبعد ثلاثة أيام من تنصيبها سارعت بالمضي في إجراءات توجيه الاتهام إلى كومي، قبل آخر موعد لتقديم لائحة الاتهام ضده المحدد بنهاية شهر سبتمبر الجاري، بموجب قانون التقادم.
بالنسبة للديمقراطيين ومنافسي ترامب الأمر واضح للغاية؛ ترامب يسعى في ولايته الثانية للانتقام من خلال استخدام النظام القضائي وقوة إنفاذ القانون وثقل الحكومة الفدرالية لملاحقة خصومه السياسيين لاسيما نقض كل القرارات والإجراءات التي تمت خلال إدارة الديمقراطي بايدن مهما كانت صحتها وشرعيتها. ويثيرون في هذا الشأن جملة من القضايا ومنها العفو الذي أصدره ترامب على أنصاره الذين أدانهم القضاء في أعمال العنف أثناء الهجوم على مبنى الكونغرس في 6 يناير 2021. ونقلت وسائل إعلام أميركية مؤخرا أن مسؤولين كبارا في مكتب التحقيقات الفدرالي ممن أشرفوا على التحقيقات في هذه القضية قد اضطروا إلى الاستقالة.
هذا المشهد الجديد يؤكد المخاوف التي يبديها الكثير من الأميركيين منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض من أن أميركا بصدد التحول إلى جمهورية موز. ففي مناسبات عديدة أفصح عن نزوعه للتصرف من موقع القوة، كونه يجلس على كرسي أقوى رجل في العالم، من دون الاكتراث للتقاليد السياسية العريقة للديمقراطية الأميركية ولا للقانون الأميركي، لاسيما فيما يتعلق بعدم استخدام المؤسسات الأمنية وسلطات إنفاذ القانون كوسيلة للضغوط السياسية وملاحقة الخصوم.
ترامب: جيمس كومي من أسوأ البشر..
وقد احتفى ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتوجيه اتهامات لكومي، وقال على منصته "تروث سوشيال": "العدالة تتحقق في أمريكا، من أسوأ البشر الذين واجههم هذا البلد على الإطلاق هو جيمس كومي، الرئيس الفاسد السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي"، مضيفا "اليوم، وجهت إليه هيئة محلفين كبرى اتهامين جنائيين بارتكاب أعمال غير قانونية وغير مشروعة، لقد كان سيئًا جدًا تجاه بلدنا، لفترة طويلة، وهو الآن في بداية تحمل مسؤولية جرائمه ضد أمتنا. لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى".
ويواجه كومي اتهامات بالإدلاء بتصريحات كاذبة وعرقلة تحقيق في الكونغرس خلال إدلائه بشهادته أمام الكونغرس في 2016 بشأن التدخل المزعوم في الانتخابات الرئاسية. وفي حال إدانته، قد يواجه عقوبة السجن لمدة تصل إلى خمس سنوات. وقال كومي في مقطع فيديو نشر على إنستجرام " إن لديه "ثقة كبيرة في النظام القضائي الاتحادي، أنا بريء. لذا، دعونا نجري محاكمة ونحافظ على الثقة".
مؤسسة الملياردير جورج سوروس مستهدفة
وفي قضية أخرى مشابهة ومرشحة لتثير الكثير من الجدل، أصدر ترامب مذكرة رئاسية يأمر فيها الجهات الفيدرالية بفتح تحقيق شامل في ما وصفه بـ "تمويل أفراد ومنظمات ثرية لأعمال عنف يسارية في البلاد، مشيرا إلى حادثة اغتيال الناشط اليميني تشارلي كيرك، والتي حمّل مسؤوليتها لليسار الراديكالي. ويزعم ترامب أن أثرياءً يمولون "فوضويين محترفين" لنشر العنف واستهداف السلطات وإنفاذ القانون والحزب الجمهوري. ومن بين المنظمات المستهدفة أساسا منظمة "أوبن سوسايتي" (The Open Society Foundations) التي يمولها الملياردير الأميركي جورج سوروس، والتي تدعم منظمات مدنية منها ما يتبنى المواقف اليسارية والأفكار والتوجهات المنسجمة مع توجهات خصومه الديمقراطيين.
صحيفة "نيويورك تايمز" نقلت الخميس أن مسؤولا رفيعا في وزارة العدل أمر نحو ستة مكاتب للمدّعين العامين الفيدراليين بإعداد خطط للتحقيق مع مجموعة ممولة من قبل سوروس. وتضمّنت التوجيهات، وفق الصحيفة، قائمة بالتهم المحتملة التي يمكن أن يوجّهها المدّعون، بما في ذلك الحرق العمد وتقديم دعم مادي للإرهاب.
"المال هو عصب الحرب"، كما هي المقولة الشهيرة، وفي الحياة السياسية الأميركية المال هو كل شيء في المنافسة السياسية، وإذا فقد خصوم ترامب القدرة على حشد الدعم المالي لأنشطتهم السياسية فهذا يعني هزيمة مبرمجة في المواعيد الانتخابية المختلفة. لكن من غير المرجح أن يذعن القضاة لما يريده ترامب، وينبغي انتظار ردود الفعل من الشارع الأميركي حيال هذه الممارسات التي لا تختلف عمّا نراه في أنظمة توصف بأنها "غير ديمقراطية".
م. ب

