عملية «طوفان الأقصى» التي أطلقتها فصائل فلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، في 7 أكتوبر 2023، أدّت إلى زلزال هائل في غزة.
فالحصيلة كانت ثقيلة إلى درجة جعلت كثيراً من المحللين يتساءلون: هل كانت النتائج السياسية تستحق الثمن الإنساني والمادي المدفوع؟
حصيلة بشرية ومادية مروعة
الحصيلة البشرية كانت كارثية:
عشرات الآلاف من الضحايا، نحو 70 ألفاً موثقين رسمياً، وربما يكون العدد الحقيقي ضعف ذلك أو ثلاثة أضعافه، إضافة إلى أعداد كبيرة من الجرحى والمصابين بإعاقات دائمة.
أما الدمار المادي، فقد شمل تقريباً كل شيء:
منازل، مدارس، مبانٍ حكومية، مستشفيات، طرق، محطات كهرباء ومياه، مخازن غذاء ووقود، مؤسسات عامة — لم يسلم شيء من القصف.
الجيش الإسرائيلي تعمّد التدمير بشكل منهجي لتحقيق هدفين:
الانتقام والعقاب الجماعي.
ترهيب الفلسطينيين وردعهم عن أي محاولة مقاومة مستقبلية.
ربما أخطأ حماس في تقدير مدى وحشية الرد الإسرائيلي، وكذلك في تقدير تواطؤ ما يسمى بالمجتمع الدولي الذي غالباً ما يغضّ الطرف عن الجرائم عندما لا تكون مصالح القوى الكبرى مهددة.
هذه إحدى النقاط السوداء في حصيلة «طوفان الأقصى» بعد مرور عامين على انطلاقها.
هيمنة الدعاية الإسرائيلية
رغم جهود المقاومة، فشلت الفصائل الفلسطينية في السيطرة على الرواية الإعلامية خلال الأسابيع الأولى، ما جعلها تخسر معركة الرأي العام العالمي في البداية.
في المقابل، تمكنت إسرائيل، بفضل علاقاتها الوثيقة مع وسائل الإعلام الغربية الكبرى، من فرض سرديتها الخاصة.
ولجأت إلى أساليب دعائية تقليدية عبر تلفيق قصص صادمة مثل مزاعم اغتصاب النساء وقطع رؤوس أربعين طفلاً، وهي روايات ثبت لاحقاً زيفها، لكنها نجحت مؤقتاً في تحريك الرأي العام العالمي لصالح إسرائيل.
اللافت أن الرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن شارك شخصياً في الترويج لهذه المزاعم، ما يثير التساؤلات حول ما إذا كان قد خُدع — وهو أمر يصعب تصديقه — أو تعمّد الكذب — وهو أمر أصعب تصديقه أيضاً بالنسبة لأقوى رجل في العالم آنذاك.
قضية الأسرى والمصطلحات
في خضم الهجوم، أسر الفلسطينيون مئات الإسرائيليين، بينهم مدنيون تم الإفراج عن معظمهم لاحقاً خلال صفقات تبادل.
لكن الفصائل لم تنجح في فرض استخدام مصطلح «أسرى حرب» بدلاً من «رهائن»، رغم أن غالبية من تم أسرهم كانوا من العسكريين والضباط.
في المقابل، لا يُستخدم مصطلح «رهائن» لوصف آلاف الأسرى الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية دون محاكمة، وبينهم أطفال ونساء، رغم أنهم ضحايا احتلال عسكري، في مفارقة لغوية وسياسية واضحة.
الانقسام الفلسطيني الداخلي
فشل حماس في إشراك باقي الفصائل الفلسطينية في المقاومة الوطنية، مما أعطى انطباعاً مضللاً بأن القضية الفلسطينية قضية دينية تخص تياراً إسلامياً فقط، بينما هي في الأصل قضية تحرر وطني جامعة.
منظمة التحرير الفلسطينية (فتح) والسلطة بقيادة محمود عباس ظلت متمسكة بخيار التفاوض، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع الآن كـ رمز للجمود أو التنازل، في حين فشلت حماس في بناء إجماع وطني حول المقاومة.
عملية استثنائية في الجرأة و الدقة
رغم هذه الثغرات، تبقى عملية «طوفان الأقصى» إنجازاً عسكرياً وسياسياً غير مسبوق.
فقد كانت شديدة التعقيد والجرأة، إلى درجة لا يمكن حتى لهوليوود تخيلها:
شارك فيها 1,200 مقاتل بدراجات نارية، وسيارات، وزوارق بحرية، وطيران شراعي، وسيراً على الأقدام.
شنّوا هجمات متزامنة على 25 موقعاً عسكرياً إسرائيلياً بعد تعطيل أنظمة المراقبة على حدود غزة.
أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، المعروفة بتفوقها، لم ترَ شيئاً قادماً.
وبعد الصدمة، حاولت تسريبات إسرائيلية الادعاء بأن الأجهزة كانت على علم مسبق وسمحت بالهجوم للإيقاع بالمقاومة، لكن هذا التبرير اعتُبر مجرد محاولة لتجميل فشل استخباراتي غير مسبوق.
السرية و التنظيم المعجزان
نجاح المقاومة في الحفاظ على سرّ العملية رغم حجمها، في منطقة مليئة بالجواسيس وتحت مراقبة جوية وبحرية وفضائية دقيقة، يُعدّ أقرب إلى المعجزة.
كما أظهرت المقاومة قدرة تنظيمية عالية؛ إذ وضعت آليات قيادة بديلة تحسباً لاغتيال القادة وتدمير البنى العسكرية، مما مكّنها من الحفاظ على تماسك القيادة واستمرارية المعركة حتى مع فقدان شخصيات بارزة مثل يحيى السنوار.
أثبت ذلك أن المقاومة قد تكون مكلفة جداً، لكنها ممكنة ولا يمكن تجاوزها. كما كشفت العملية للعالم الوجه الحقيقي لإسرائيل كـ كيان عنصري إجرامي ينتهك القانون الدولي بشكل منهجي.
تداعيات سياسية عميقة
العملية دمّرت أسطورة مناعة إسرائيل الأمنية والعسكرية، وأدخلت القيادة الإسرائيلية في حالة ذعر غير مسبوقة دفعت الولايات المتحدة لإرسال حاملتي طائرات فوراً إلى المنطقة.
لكن الأثر السياسي الأهم كان إعادة القضية الفلسطينية إلى قلب المشهد الإقليمي والدولي، بعد أن كانت تتراجع أمام مشاريع التطبيع.
فقد أجبرت العملية دولاً غربية مثل بريطانيا وفرنسا على الاعتراف بالدولة الفلسطينية لتفادي غضب شعوبها والاتهام بالتواطؤ في الإبادة.
كما انقلب الرأي العام الغربي تدريجياً لصالح الفلسطينيين، وأصبح الإسرائيليون في الخارج يواجهون عزلة شعبية متزايدة، حتى في المجالات الرياضية والثقافية.
اللافت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه السابق صدرت بحقهما مذكرات توقيف دولية بتهم جرائم حرب — وهو أمر كان مستحيلاً قبل 7 أكتوبر.
خلاصة
رغم الثمن الإنساني والمادي الهائل، مثّلت عملية «طوفان الأقصى» نقطة تحول تاريخية في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، إذ كسرت صورة التفوق الإسرائيلي، أعادت الاعتبار لخيار المقاومة، وقلبت الموازين السياسية والإعلامية.
لكنها في المقابل دفعت غزة إلى أكبر كارثة إنسانية في تاريخها الحديث، ما يجعلها في نظر بعض المراقبين «نصراً بيروسياً» — أي نصراً باهظ الكلفة يضع المنتصر نفسه أمام تحديات وجودية لاحقة.

