إعلان
إعلان

كتاب " مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي " لمالك بن نبي

منذ شهر واحد|قراءة في كتاب

يُروى بتواتر عن مفكّر الإسلام وفيلسوف الحضارة في القرن العشرين، مالك بن نبي، رحمه الله، قوله لزوجته في آخر حياته "سأعود بعد ثلاثين سنة وسيفهمني الناس"، فقد عاش محاصرا في عصره، ومضايقا في أفكاره، غير أنه كان واثقا تماما أنها سَتُفَعَّلُ في يوم ما، وها قد صدقت نبوءة الرجل العملاق اليوم بعودة النخب الإسلامية في مختلف المستويات إلى مُدارسة رؤاه التي سبق بها زمانه قبل 75 عاما، وجعلت قيادات دول من قيمها الفلسفية والعملية مرتكزات لنهضتها الجديدة!

لقد كان بن نبي يؤمن أنّ "المشروع الإصلاحي يبدأ بتغيير الإنسان، فالإنسان هو الهدف و نقطة البدء في التغيير والبناء "، لذلك كرس حياته للبحث في مشكلات الحضارة، وبذل جهدًا كبيرًا لفهم مقوماتها.

ودفعًا لاهتمام القرّاء بمطالعة الكتاب في ظل الحجر الصحّي هذه الأيام، وتعميما للفائدة المعرفية الراقية التي حملها فكره الإسلامي النيّر، فقد ارتأى "الحراك الإخباري"، أن يعود إلى بسط تصورات الرجل الأساسيّة، من خلال عرض لأبرز مؤلفاته العالميّة ، واليوم سيكون موعدنا مع كتاب " مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ".

وقد تناول مالك بن نبي الكتاب من خلال 17 فصلا، كل فكرة علي حدة في فصل منفصل، وقام بدراسة الأفكار بترتيب و تراتب منطقي كحلقات متصلة و مترابطة كل حلقة بالتي تليها والتي تسبقها بشكل يكون الفكرة الكلية التي يهدف إليها الكاتب.

يتناول الفصل الأول: "الإجابتان عن الفراغ الكوني" موقف الإنسان في عزلته و طريقته لملء فراغه, حيث أن الطريقة التي يملأ بها الإنسان وقته هي التي تحدد ثقافته وحضارته. وهناك نموذجان من الثقافة لملء الفراغ وهما:

أ- ثقافة السيطرة "حب تملك الأشياء". ب- ثقافة الحضارة "حب التأمل في الأفكار والبحث عن الحقيقة". وتناول مالك طريقة الإنسان لملء فراغه بشكل مقارن بين الثقافة الغربية والثقافة الإسلامية:

 و يتناول الفصل الثاني: "الطفل و الأفكار" الظروف الاجتماعية التي تكوِن أفكار الطفل واندماجه الاجتماعي، حيث يولد الطفل إنسان منعزل، وبمساعدة الأسرة و المدرسة يندمج في المجتمع بطريقة تختصر وتكمل عملية إندماج الطفل, وأثناء عملية الاندماج يمر الطفل بسياقات نفسية وجسدية ترسم الملامح الأخلاقية والتقنية لتفكير الطفل، فاطراد إندماج الطفل بيولوجياّ ومنطقياّ تشتمل علي ثلاث أعمار طبقا لثلاث عوالم يندمج فيها الطفل مع مجتمعه والتي تظهر في صورة تطورات في سلوكه.

بينما يعالج الفصل الثالث: "المجتمع و الأفكار" التشابه بين بعض مظاهر نمو العقل عند الفرد والتطور النفسي الاجتماعي للمجتمع، حيث يمر المجتمع بمراحل الأعمار الثلاثة التي يمر بها الفرد (مرحلة الشئ, مرحلة الشخص, مرحلة الفكر)، ولكن الانتقال من مرحلة لأخرى ليس بالسهولة والوضوح التي يمر بها الفرد، حيث إن كل مجتمع له عالمه الثقافي المعقد الخاص به مهما كان المستوى الذي وصل إليه من التطور، فالعوالم الثلاثة يتشابك نشاطها، ولكن يظل هناك رجحان دائماّ لأحد هذه العوالم الثلاثة، و هذا الرجحان الذي يظهر في سلوك المجتمع وفكره يميز كل مجتمع عن سواه من المجتمعات.

أما الفصل الرابع: "الحضارة و الأفكار" فإن النقطة الأساسية التي يدور حولها ذلك الفصل أن الفكرة هي الرحم الذي يولد منه الحضارة، حيث أن لكل حضارة فكرة دافعة تخرج منها و تستمر بها، فالمعجزات الكبرى في التاريخ مرتبطة دائماّ بالأفكار الدافعة، "فالحضارة هي نتاج فكرة جوهرية تطبع علي المجتمع في مرحلة ما قبل التحضر وتدفع بها في التاريخ ويبني عليها المجتمع نظامه الفكري طبقاّ للنموذج الأصلي لحضارته".

ويحدد المحيط الثقافي للمجتمع خصائصه التي تميزه عن الثقافات والحضارات الأخري، وللأفكار دور وظيفي في فترة إندماج مجتمع ما في التاريخ، كالفكرة المسيحية التي أخرجت أوروبا إلي مسرح التاريخ. وتضيف قوة وإرادة المجتمع صفة الموضوعية علي وظيفة الحضارة، وكلما تحسنت قوة وإرادة المجتمع كلما استطاعت أن تساعد الفرد في تحقيق ذاته.
 ويدور الفصل الخامس"الطاقة الحيوية و الأفكار" حول تأثير الطاقة الحيوية للفرد علي تطور المجتمع، حيث ينفق الفرد طاقته الحيوية التي خصته به طبيعته ويندمج في المجتمع وفق قواعده وأصوله وبشكل راشد، وبذلك يستطيع تحقيق المعادلة الصحيحة لتوظيف طاقته الحيوية بما يؤثر علي تطور المجتمع.
الفصل السادس: عالم الأفكار
ويناقش ذلك الفصل أنماط الأفكار التي تمر بها المجتمعات ما بين 1- أفكار أساسية رائدة: ترثها الأجيال وتعتبرها مخزونها الأخلاقي. 2- أفكار عملية تاريخية: أفكار توجه أنشطة المجتمعات كالوسائل التقنية، حيث أن التغير و التحول الذي يحدث في المجتمعات يطرأ علي عالم الأشخاص لا علي عالم الأشياء، وحتي الوسائل التقنية في تلك المرحلة لا تتجه نحو الأشياء، بل نحو الإنسان باعتبارها تقنية اجتماعية تحدد العلاقات الجديدة داخل المجتمع.

ونقرأ في الفصل السابع"الأفكار المطبوعة والأفكار الموضوعة" أن كل مجتمع له أفكاره التي تميزه عن المجتمعات الأخرى، وشبه الكاتب عالم أفكار المجتمع باسطوانة النغمات الموسيقية، حيث أن اسطوانة كل مجتمع تم طبعها بطريقة مختلفة عن اسطوانه المجتمع الآخر. فالمجتمع يتكون من أفكار مطبوعة: هي الأفكار الأساسية والنماذج المثالية، وأفكار موضوعة: أنغام لها توافقتها الخاصة بالأفراد والأجيال التي تضيف إليها.

وقد تلقى المجتمع الإسلامي رسالته المطبوعة منذ أربعة عشر قرناّ في عصر الرسول (ص) والخلفاء الراشدين, و تناول أفكاره الموضوعة في الفترات المشرقة للمجتمع الإسلامي أثناء الخلافة الأموية والعباسية. أما حالياّ يعيش المجتمع الإسلامي في فترة الصمت الذي وصفه ب”صمت الأفكار الميتة”.

ويبحث بن نبي في الفصل الثامن "جدلية العالم الثقافي" حركية العالم الثقافي وعدم سكونه، حيث أن حياته وتاريخه والعلاقات الداخلية بين مقاييسه الثابتة في العالم الثقافي (الأشياء والأشخاص والأفكار) هي التي تتحكم في أنشطة المجتمع في كل مسيرته عبر مراحله التاريخية. و يتم تحديد العلاقة فيها بخصوصية أكثر عندما يزيد ثقل أحد هذه المقاييس علي المقاييس الأخري، وذلك لتركيز النشاط علي الأشياء أو علي الأشخاص أو علي الأفكار بنمط أكثر خصوصية، مما يؤدي لإحداث خلل في التوازن يميز هذه اللحظة الخاصة من التطور التاريخي لمجتمع ما.


كما يتناول الفصل التاسع"جدلية الفكرة و الشيء" البنية الديناميكية للعالم الثقافي والتي تتوافق مظاهرها المتتابعة مع العلاقات المتغيرة بين تلك العناصر الحركية(الأشياء,الأشخاص, الأفكار)، وركز الكاتب علي الصراع بين الفكرة و الشيء وذلك لآثاره النفسية والاجتماعية علي المجتمع, حيث طغت الشيئية في المجتمعات المعاصرة وفقدت الفكرة التوازن مع الشئ، وذلك رغم اختلاف ظروف الصراع من حالة إلى أخرى.

 ويناقش الفصل العاشر "صراع الفكرة- الوثن" العلاقة بين الفكرة والشخص فبعض المجتمعات تعظم الشخص لدرجة تجعل منه "وثن" مقدس بدلاّ من أن يتم تعظيم الفكرة، حيث يحدد العالم الثقافي للمجتمع حجم عالم الأشخاص فيه، وخاصة عندما يمر بعمر معين أو بظروف معينة أو أثر حادث ثقافي معين يتجه المجتمع لتحديد و تشكيل أفكاره وأحكامه وفقاّ لمعايير تشكل العلاقة بين الفكرة و الشخص، وأحياناّ يحدث خللا في إعادة تشكيل العلاقة بينهم.

 أما الفصل الحادي عشر"أصالة الأفكار و فعاليتها" فقد تناول عدم وجود علاقة بين أصالة الفكرة من ناحية وفعاليتها واستمرارها من ناحية أخرى، فتاريخ الفكرة يبدأ عندما تخرج للنور، وعندما تكون الفكرة صحيحة تحتفظ بأصالتها للأبد، و لكن هذا لا يعني استمرار فعاليتها، وذلك لعدم وجود علاقة ارتباطية بين صحة الفكرة وفعاليتها، فالفكرة تكون فعالة عندما تضيف شيئاّ أو تهدم شيئاّ أو تفتح صفحة جديدة من صفحات التاريخ الإنساني, وربما تفقد فعاليتها وهي في مهدها. فنجد أن أوروبا نجحت في السيطرة علي العالم بفعالية أفكارها لا بأصالة هذه الأفكار، حيث وضعت ثلاث كلمات كأساس لحضارة القرن العشرين”العلم, التقدم, الحضارة”، وقد انتهجت أوروبا دائما في فرض سيطرتها و في أسلوبها الاستعماري ترجيح فعالية أفكارها على أصالتها.
 ثم تناول الكاتب أصالة الأفكار الإسلامية وقوة فعاليتها في عصر الرسول (ص) والخلفاء الراشدين، ثم خمود فعالية الأفكار الإسلامية الأصيلة شيئاّ فشيئاّ منذ عصر ما بعد الموحدين حتي أصبح العالم الإسلامي يقلد الحضارة الأوروبية رغم عدم أصالة أفكارها.

وعالج الفصل الثاني عشر"الأفكار وديناميكيا المجتمع" الأفكار كبنية للمجتمع وديناميكته ومعايير الحكم علي صحة الفكرة. ففي عصر الإنتاجية كان "النجاح" هو معيار الحكم علي صحة الفكرة (الفكرة تكون صحيحة إذا نجحت) فكانت المعايير عملية وليست أخلاقية أو فلسفية، وعليه رأى الكاتب أن العالم الإسلامي يجب أن يدافع عن عالمه الثقافي باستعادة تقاليده العليا ومعها حس الفعالية للقيم الإسلامية، وخاصة في وقتنا هذا الذي يتم فيه مقارنة القيم الإسلامية بقيم البلاد الصناعية لإثبات عدم صلاحية الإسلام في القرن العشرين.

بينما نقرأ في الفصل الثالث عشر"الأفكار في الاطراد الثوري" الاطراد الثوري، فالثورة تندلع كانفجار للمجتمع من شدة ضغوطاته، وتاريخ الثورات يشير إلي أن اندلاع الثورات لا يضمن استمرارها في مسارها الصحيح الإيجابي، فبعض البلاد مرت بثورات لم تتضمن شئ إيجابي لها، بل إنها قد وجدت نفسها بعد الثورة في الوضع السابق لها، بل ربما في وضع أكثر خطورة. ففي بعض الثورات التي حدثت في الدول الإسلامية حدثت مظاهر عدة انحرفت بمسار الثورة، سواء نتيجة حدوث خطط مدبرة من الخارج أو افتعال ثورة مضادة أو تحول الثورة الأصلية لثورة مضادة أو استخدام الزعماء في تحريف الطاقات الثورية.

وفي الفصل الرابع عشر "الأفكار والسياسة" يتناول المؤلف "الحرب" كأحد الأدوات في الحياة السياسية، وعرف الكاتب الحرب بأنها "استمرار للسياسة بوسائل أخرى"، والانتصار في الحرب يتم بناء علي قوة الجيش التي تتمثل في ثقة قوات الجيش بالقاعدة السياسية التي تؤيده وتمده وتؤمنه والتي تأتي من ثقة المحكومين في الحاكم ومن ثم في الجيش, وفي ضوء ذلك سرد الكاتب حوار دار بين الحكيم كونفشيوس و أحد طلابه الذي سأله عن السلطة فأجابه أن أهم ما يجب أن تقدمه السياسة هو توفير قدر كافي من ثقة الناس بحكامهم. وأكد الكاتب تلك الفكرة بسرد قصص من التاريخ الإسلامي بلورت فكرة "ثقة المحكومين في الحاكم" كأحد الأسس للسياسة الصحيحة، بالإضافة إلي النزاهة والكفاءة والحسبة كأسس يتم وضعها نصب العين كنموذج ومرجع.

 ويناقش الفصل الخامس عشر"الأفكار وازدواجية اللغة" تأثير ازدواجية اللغة التي غرسها الاستعمار الأجنبي في الهياكل الاقتصادية والإدارية والاجتماعية في البلاد الإسلامية، والتي أثرت بدورها علي تشويش البناء الثقافي والعقلي لتلك البلاد، فتفاوتت نتائجها الاجتماعية من بلد لآخر، فأثرت علي المستوي الفكري لبعض البلاد (كمصر) وأثرت علي الاتجاهات العادية للحياة اليومية في بعض البلاد (كالجزائر وتونس)، فضلاَ عن الانشقاق الثقافي الذي أحدثته والذي أخذ طابع أخلاقي وفلسفي ولم يقتصر علي الطابع الجمالي فقط، وفي بعض البلاد تعمق الانشقاق وأحدث شرخا في تماسك المجتمع واتجاهاته فأصبح المجتمع مجتمعين أحدهما يمثل البلاد في وجهها التقليدي والتاريخي، والثاني يريد صنع التاريخ بدءّ من الصفر، وأصبحت (الأفكار المطبوعة) الأفكار الأصلية التي تعبر عن المجتمع الإسلامي في حالة تشويش، أما (الأفكار الموضوعة) الأفكار التي تم بثها في المجتمع الإسلامي غامضة بشكل جعل المجتمع يريد أن يثور علي قيد الأفكار الأصلية, ومن ثم أحدث ازدواج اللغة تعارض كلي مع الثقافة الوطنية للمجتمع الإسلامي.

ويتناول الفصل السادس عشر"الأفكار الميتة و الأفكار المميتة" تأثير الأفكار الميتة والأفكار المميتة علي المجتمع الإسلامي، حيث أن الأفكار الميتة هي نتاج الإرث الاجتماعي الذي ولد القابلية للاستعمار، أما الأفكار المميتة هي الأفكار التي تمت استعارتها من الغرب وتولد الاستعمار، ولكن أفكار العالم الثقافي الغربي ليست كلها مميتة، وذلك لأنها مازالت تبعث الحياة في حضارة تنظم مصير العالم حتى الآن، فالمشكلة لا تتعلق بطبيعة الثقافة الغربية بل بطبيعة علاقة البلاد الإسلامية بها، وفي إطار ذلك قارن بين الانطلاقة الحديثة التي قامت بها اليابان من ناحية والمجتمع الإسلامي من ناحية أخرى علي نمط الحضارة الغربية، فاليابان التي تعتبر قوة اقتصادية كبيرة اقتبست من الثقافة الغربية ما يفيدها ويدفعها نحو التقدم، وحافظت في نفس الوقت علي تقاليدها وثقافتها ولم تضللها الأفكار المميتة للثقافة الغربية، بينما ضل المجتمع الإسلامي رغم عظم ورقي حضارته وتاريخه، وأصبح مجتمع ذو نموذج متخلف.

 أما الفصل السابع عشر والأخير"انتقام الأفكار المخذولة" فيتناول التدهور المزدوج لانتقام الأفكار المخذولة سواء كانت أفكار أصلية أو أفكار مستعارة، حيث أن الأفكار التي أثبتت فعاليتها في بناء الحضارة الإسلامية منذ ألف عام فقدت فعاليتها والتصاقها بالواقع، كما أن أفكار أوروبا التي نجحت في تشييد الحضارة الأوروبية فقدت فعاليتها في العالم الإسلامي، وفي نفس الوقت تسببت في تدهور قيمة الأفكار الموروثة، وأعاقت نمو العالم الإسلامي أخلاقياّ ومادياّ. ومن ثم يعاني سلوك العالم الثقافي الإسلامي من التنكر المزدوج، فهو لم يستطع الإتصال بقيمه وأفكاره الأصلية و لم يستطع أيضاّ الاتصال والتعايش بفعالية مع العالم الثقافي الأوروبي.
ونشير في الختام أن هذا الكتاب الذي نشرته دار الفكر بدمشق في طبعة أنيقة، متوفر حصريّا بالجزائر لدى "دار الوعي"، مثلما لديها "المجموعة الكاملة لأعمال مالك بن نبي" لكل من يرغب في الاستفادة منها، حيث يمكنه التواصل معها عبر حسابها الرسمي على مواقع التواصل الاجتماعي.

تاريخ Apr 27, 2020