إعلان
إعلان

دراسة لتلميذه والوصي على آثاره عمر مسقاوي: منهجية التغيير عند مالك بن نبي

منذ شهر|قراءة في كتاب

يضم هذا الكتاب دراسة لموضوعين من موضوعات فيلسوف الإسلام والحضارة مالك بن نبي؛ وهما فكرة كمنويلث إسلامي، وفكرة الإفريقية الآسيوية، قدمها تلميذه والوصي على آثاره الأستاذ عمر كامل مسقاوي، وصدرت عن دار الفكر السورية بدمشق.

بدأت دراسة الموضوع الأول بمقدمة في معنى تاريخية الاستعمار والقابلية للاستعمار، للتحدث بعدها عن الحرب العالمية الثانية التي آذنت بأفول الحضارة الغربية، ثم عن الإيديولوجية والمشكلة الحضارية والثقافية. يقدم إثر ذلك فكرة كمنويلث إسلامي مع بيان أهميتها.

تشير الدراسة إلى ظهور مفاهيم جديدة، وعالم جديد، وإلى قيام صراع فكري مع الاستعمار الذي دأب على تبديد المبادرات الفعالة.. وتنتهي بالسؤال عن دور المسلمين المنتظر، في بناء حضارة إنسانية قادمة من خلال فكرة الكمنويلث.

أما دراسة فكرة الإفريقية الآسيوية، فتوقفت بعد المقدمة، عند شهادة شخصية من أوراق مالك؛ تظهر استياءه من النتائج التي خلّفها مؤتمر باندونغ المنعقد عام 1955 بسبب سلبية المسلمين فيها، وموقف اليهود منها استغلالاً وهيمنة.. مما أوقع بن نبي في إحباط حيال ذلك المؤتمر؛ الذي عدَّ نتائجه هزيمة للمسلمين.

وختمت الدراسة بدعوة إلى تأمل حول فكرة كمنويلث إسلامي يعيد للمسلمين تماسك الأفكار.

وهذه بعض الأفكار التي وردت في الكتاب وأعتقد أنها مهمة:

• لقد رأت أوربة السلطة والتفوق في امتلاك العلم. أما الصناعة فهي ليست سوى دلالة على امتلاكها العلم، وهكذا سيطرت على الصناعة وحدها لقرنين كاملين دون باقي الشعوب.

• الذي استدعى ظاهرة الاستعمار، في رسالة الحضارة الغربية المبنية على العلم والقوة. وفي القسم الثاني منه تحدث عن مشكلة الاستعمار كرسالة انطلقت من تورُّط أوربة باليهودية في عمق ضميرها، وقد بدأت الحرب العالمية الثانية بتأثير هذا التورط، حيث أخذت تميل الميل كله إلى نحو النهاية. لذا فالعالم الإسلامي لكي يستعيد مكانته؛ لابدَّ له أن يخرج من نفق عصر ما بعد الموحدين، ويجدد حضارته لإبلاغ رسالة الإسلام في وحدة الإنسانية التي جفت منابعها.

• أنَّ المشكلة اليوم؛ ليست لدى الأحزاب ولا المذاهب الإسلامية التي لا تزال تعيش في نموذج الخلافة والسلطة السياسية، كما يجري في فوضى التطلعات الثورية. فهذه الأحزاب لا تمثل حقيقة الإسلام كأصل في الدعوة إلى الناس، بل هي تمثل جماعة من المسلمين؛ لهم أفكارهم في التنافس السياسي تحت هذا الشعار.

• الحضارة في دراسة بن نبي؛ دعوة لإعادة صياغة هذا العالم، من خلال مكوناته التاريخية، واستعادة ولادة جديدة له في منهج جديد، وهذا ما يعبر عنه بكلمة Renaissance أي الولادة من جديد في كتابه شروط النهضة.

• قد استشرف بن نبي المستقبل عقب الحرب العالمية الثانية، بما تنبأ له من انهيار الحضارة الغربية، بعد أن أفرغت رصيدها الروحي على مائدة التأثير اليهودي في عمق تكوينها، وتقاسم شركاء الحرب العالم في كتلتين رأسمالية وشيوعية.

• فكرة كمُنويلث إسلامي خطة تطبيقية متجددة، هي حصاد تجربة بن نبي في المرحلة الجديدة من نشاطه في القاهرة، وهي تأتي بديلاً عن فكرة الخلافة التي تجاوزها العصر. ففكرة كمُنويلث تبنى على مفهوم شبكة العلاقات الاجتماعية، التي هي أساس بناء المجتمع الإسلامي وضمان حيويته الداخلية في وحدته؛ كنموذج انفتاح ضاعت معالمه في ظل القابلية للاستعمار.



• يقول بن نبي في محاضرة ألقاها في الجزائر قبل وفاته في 21/1/1973 : "إنَّ الوعد الأعلى هو الإسلام الأصل الذي نزل على خاتم الأنبياء، وهو يتميز عن الوعد الأدنى بالثبات والاستمرار. أمَّا الوعد الأدنى في موضوعنا فيرتبط بالوعد الأعلى، وفق معادلة جبرية تؤشر لمراحل تطور وتقدم الوعد الأدنى في رسالته. فالذي يتغير هو الوعد الأدنى في المعادلة؛ كمؤشر لتطور المجتمع الحضاري في مداه التاريخي. أما إذا تغير أساس الوعد الأعلى افتقدت المعادلة دورها وانتهى المجتمع.



• بن نبي استشرف المستقبل دائماً بمعايير الحاضر. وليس ذلك مجرد تنجيم، بل مسلك تنظيم لفاعلية قاعدة إلهية؛ هي أن التاريخ لا ينظر إلى القيم العليا المطلقة التي تؤسس لروحية الإقلاع الحضاري، بل ينظر إلى وسائلها في مدى فاعلية القيم القصوى التي هي طاقة الدخول في التاريخ. فالحضارة الإسلاميَّة بدأت تميل نحو الهبوط مع الأسرة الموحديَّة في المغرب، كما رآها ابن خلدون، حين خرجت من محور أصالتها. وتلك هي اللحظة التاريخية والاجتماعية النفسيَّة التي خرج بها المسلمون والعالم الإسلامي من التاريخ، وهنا كانت ولادة الفكرة البنابيَّة من خلال مصطلح (القابليَّة للاستعمار).

• يقول بن نبي في مدخل دراسته: إنَّ مشروعه يحدد إطار دراسته من الوجهة الفنية، لذا فهو لا يقدم حلاً، وإنما يحدد المعالم الأساسيَّة لفكرة الترابط الفاعل بين أجزاء العالم الإسلامي.

• إنَّ الوحدة الروحيَّة في العالم الإسلامي متعدِّدة الجوانب، كأنه ليس عالماً واحداً بل عوالم متعدِّدة وفقاً للتقسيمات التالية:

- العالم الإسلامي الزنجي أو الإفريقي.

- العالم الإسلامي العربي.

- العالم الإسلامي الإيراني (فرس، أفغان، باكستان).

- العالم الإسلامي (ملايو إندونيسيا).

- العالم الإسلامي الأصفر.

• وإذا ما عرف المسلم كيف يقود هذا الضمير؛ سيجد نفسه من خلال دوره متقدِّماً على أولئك الذين يملكون الصاروخ والذرة، بمعنى أن يكون على رأس التقدُّم الإنساني في مجال حيوي. «لذلك لا بُدَّ من تأكيد أنَّ مشكلة الإنسان ليست أبداً مهمَّة الرجل المتحضر في محور واشنطن موسكو، حين يراها مجرد قضيَّة في النطاق الأدبي توضع في قليل أو كثير تحت رعاية اليونسكو، أو مجرد مشكلة شيء من الأشياء تخضع في قليل أو كثير لمراقبة وتدقيق المؤسسات العلمية، تلك المؤسسات التي تراقب دراسات البترول أو اليورانيوم».

• لكن يبدو لي أنهم في مصر - وكما هو الأمر في سائر البلاد الإسلامية - فضّلوا عالم الأشياء على عالم الأفكار؛ لأنهم لا يفهمون الأفكار . فالسيد بن غوريون يعرف أن القارتين اللتين اجتمعتا في باندونغ ليس لديهما حتى الآن بنية إيديولوجية موحدة، سوى الخطب السياسية وافتتاح المكاتب في القاهرة، بينما بلد آخر سوف ينصرف إلى الفكرة عبر كتابي، ويترك العالم العربي لينصرف إلى بلاغة خطبه السياسية، وبناء مكاتبه الإفريقية الآسيوية».

• هذا الاتجاه يتعارض بصورة جذرية مع استراتيجية الحضارة الغربية، في الهيمنة الفكرية الاستعمارية، على خيارات الشعوب في آسيا وإفريقيا. وهكذا تظل المبادرات والأفكار في حدود النفق؛ الذي يطلق عليه بن نبي (القابلية للاستعمار) . فالقابلية هي حدود مساحة النفق في مرحلة الحضارة الإسلامية، منذ أن خرجت من مدار التاريخ، ثم وقف الاستعمار الغربي على باب النفق يرصد البنية النفسية لحركة القابلية للاستعمار. وهكذا استكان العالم الإسلامي للاستعمار المعلن أو الخفي، حين جهر التقدم الغربي فأيقظ حركة النهضة في حدود معاييره، التي لم يستطع العالم الإسلامي الخروج منها في بناء جديد.

• فالحضارة الغربية ألقت بمراسيها، بعد الحرب العالمية الثانية، وانتهت بالإنسانية إلى مرحلة تتطلب إعادة بنائها مجدداً. كما بدأت تعود إلى ما قبل ديكارت؛ أي إلى المطلق الغيبي في رحاب الروح التي توطنت في آسيا وإفريقيا؛ إنها روح الكلمة الإلهية في التاريخ. لقد انطلقت نظرته من الفكرة الدينية، إنما بطرق جديدة، فالحضارات التي ولدت معها مجتمعات آسيا وإفريقيا ما تزال تسلط انعكاسات حضارتها على الخارطة الجغرافية؛ كالإسلام، والمسيحية، والهندوسية، والبوذية. فبفضل هذا الانطلاق الروحي كانت الحضارات هذه جميعها قد شكلت المتآلف الأصلي للحضارة: التراب - الزمن في مهد الفكرة الدينية.

• فإذا كان العالم، عقب الحرب العالمية، قد توحّد بالاتصال عن بُعد عبر الوسائل التكنولوجية. فالحوار لابد أن يأخذ مداه عبرها في تأسيس استراتيجي. وإذا كان على المسلم في الإرشاد الديني أن يكرم جاره القريب منه فجاره القريب أصبح في أطراف الأرض. والمسلم عليه أن يتوحّد عالمياً في بناء جديد، كي يطرح بصوت واحد إنساني: اتهاماً واحداً هو القصور الحضاري عن الإحاطة بوحدة الإنسانية. فصلاح السكنى على هذا الكوكب؛ ينطلق من وحدة هذا الاتهام، وهنا تجد الحضارة مداها العالمي حين تنتهي القابلية للاستعمار والاستعمار، على حد سواء.

• يكتب بن نبي في أوراقه الخاصة؛ خلاصة ألمه هذا حيال نتائج هذه الهزيمة، في 26/2/1958 فيقول: «كتبت الفكرة الإفريقية الآسيوية وأنا في سن (52) عاماً. ولأهمية الموضوع وطبيعته واتصاله بالحركة السياسية الأكثر رواجاً ذلك الزمن، فسوف يأخذ الكتاب مداه في سوق الأفكار المتداولة والمتصلة بالجدل التاريخي؛ لذا سوف يتيح لي في النهاية أن أنال جائزة منطقة السلام ( Prix de zone de paix )، كنت واثقاً من أن كتابي سيترجم في سائر بلاد مؤتمر باندونغ، وأنني سوف ألقى دعماً من الهند الجديدة، ذلك كله ذهب وأضحى أملي ملقىً على الأرض. إنني لم أتلقَّ كلمة شكر من أي شخصية مصرية، أو أي شخصية أخرى من الذين قدمت إليهم كتابي».

• وفي إحدى زياراته لنا كطلاب، كتب بن نبي وقد اقترحنا عليه مشروع إنشاء مجلة، تحت عنوان: (البناء الجديد)، في 14/5/1959 ، وقد عبر عما يملؤه ثقة بمستقبل مشروعه الفكري بهذه العبارات: «حينما استمعت إليهم فقد بدأت أشعر بأهمية أفكاري، وأعتقد أنني اكتشفت في ذلك الحين معنى لحياتي، ومعنى لسائر الآلام التي رافقتني، والمرارة والإحباط اللذين أحاطا بي تلك السنين.

• ففي الستينيات من القرن الماضي، كتب تلميذ بن نبي وصديقه الدكتور عبد العزيز خالدي، مقدمة بالفرنسية لمشروع كان يعد لإعادة طبع النسخة الفرنسية، من كتاب (الفكرة الإفريقية الآسيوية) نختم به تعقيبنا: «لقد أبصر بن نبي في كتابه، الذي صدر عام 1956، معالم عالم جديد؛ احتوى خلاصة ما كان قد رسمه في كتابه وجهة العالم الإسلامي. لقد أضاءت هذه الدراسة البيئة الأساسية لما تعد به مطالع العالم الجديد.

• أما دراسة فكرة الإفريقية الآسيوية، فتوقفت بعد المقدمة، عند شهادة شخصية من أوراق مالك؛ تظهر استياءه من النتائج التي خلّفها مؤتمر باندونغ المنعقد عام 1955 بسبب سلبية المسلمين فيها، وموقف اليهود منها استغلالاً وهيمنة.. مما أوقع بن نبي في إحباط حيال ذلك المؤتمر؛ الذي عدَّ نتائجه هزيمة للمسلمين.

وبذلك فإن كتاب " منهجية التغيير عند مالك بن نبي" يعدّ أرضية فكرية مهمة لكل المهتمين بآثار هذا الفيلسوف الكبير، لفهم واستيعاب تلك الملابسات التي قدم بن نبي كتبه حولهما، علما أنه متوفر لدى دار الوعي الجزائرية باعتبارها الوكيل الحصري لدار الفكر السورية في الجزائر.

تاريخ Jun 22, 2020