إعلان
إعلان

الجزائريون يختلفون في الاحتفال بالمولد و يتفقون في حب النبي

منذ شهر واحد|روبرتاج

تتباين مراسيم الاحتفال بمولد خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم عبر ولايات الوطن، باعتباره مناسبة دينية بالغة القدسية، دأبت على تخليدها العائلات بمظاهر أصيلة وطقوس خاصة ترسّخت في تراثها الحضاري، اختلفت في بعض التفاصيل وبقي قاسمها المشترك حبّ النبي، عادات مستحدثة وأخرى ضاربة في العمق يتوخّى استدامتها لتعزيز الروابط والعلاقات الرّوحية التي تجمع أفراد الشعب الجزائري بأطيافه المتنوّعة، رصدها " الحراك الاخباري"، عكست طرق فرح الجزائريين بمولد الحبيب المصطفى.

جلسات الذكر والمديح تنير ليلة العاصميين

يولي العاصميون بدورهم أهمية بالغة لإحياء ذكرى خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يصادف الـ 12 ربيع الأوّل كل سنة، من خلال موروث من العادات والتقاليد المرتبط بهذه المناسبة الخاصة جدا، تزيّن بيوت الله بمصابيح مختلفة الألوان وتتسابق في إعداد حلقات عن السيرة النبوية، وأخرى لتحفيظ القرآن الكريم وشرح معاني آياته، في أجواء روحانية، إلى جانب القيام بالعديد من الفعاليّات التي تليق بالحدث..

في ذات السياق، كشفت خالتي "تماني" القاطنة بالعاصمة، أنّ العائلات العاصمية تشرع قبيل حلول المناسبة "الغالية على قلوبنا جميعا" في تنظيف بيوتها واقتناء أغراض منزلية جديدة تبرّكا بشهر ولد فيه " الرحمة المهداة عليه أفضل الصلاة والتسليم"، كما تعرف الأسواق حركة غير عادية، إقبال هائل للمواطنين على اقتناء مستلزمات إعداد مائدة المولد، يكون طبقا "الرشتة بالدجاج" أو "الشخشوخة بالمرق الأحمر"سيّداها في منازل تعبّق بأعواد العنبر والشموع والجاوي، وفي حين تجتمع العائلات العاصمية في السهرة حول صينية الشاي وطبق "الطمينة" و" المكسّرات"، مرفقة بترديد أنشودة " زاد النبي وافرحنا بيه، صلى الله عليه"، يشرع الأطفال في اللعب بالمفرقعات والألعاب النارية كعادة سلبية تحضر بقوة.

وأضافت المتحدثة أنّ ليلة المولد النبوي الشريف تحظى بقدسية بالغة الأهميّة عند الجزائريين لا يضاهيها إلا قدسية ليلة القدر في شهر رمضان الفضيل وعيدي الفطر والأضحى، جعلت العاصميين لا يفوّتون الفرصة لتنظيم عمليات ختان لأطفالهم الذكور تبرّكا باليوم، يلبسونهم ألبسة خاصة بالختان على غرار " سروال التستيفة، البدعية، الطّربوش والبابوش"، وتُخضب أيديهم وأرجلهم بالحناء، كما تحرص الأسر المدعوة لحضور " التصديرة" إلى منح الهدايا أو ما يعرف بـ " الهنا" أو "التّاوسة" لتجسيد التضامن وتوطيد نسيج العلاقات فيما بينهم.

مالكيون واباضيون يحيون المولد في تعايش سلمي

من جهته، أكد "علي أولاد الحاج" قاطن بالعاصمة وينحدر من حي الحاج مسعود الشعبي بالضاحية الجنوبية الشرقية لعاصمة ولاية غرداية لـ " الحراك الإخباري"، أن للاحتفال بمولد خير الأنام نكهة خاصة بمسقط رأسه، جعلته لا يفوّت فرصة التواجد بين أهله وجيرانه عشية إحياء المناسبة الدينية بطقوس ومظاهر لا زال يحتفظ بها السكان، تعكس الثقافة السائدة، " تميّزها عادات متوارثة دأب على إحياءها المالكيون كما الاباضيون في أجواء هادئة يطبعها التعايش السلمي وتسودها قيم التلاحم الاجتماعي ومدّ جسور الأخوّة والمحبّة، فرحا بقدوم سيّد الكائنات عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، "نشرع في تطبيقها منذ مطلع شهر الأنوار، بتنظيف المساجد العتيقة والبيوت والأزقة والباحات، وتزيينها بالمصباح الزيتي المضيء والمسمى محليا "اينارن"، في مشهد روحاني يضفي عليها نظارة وبهاء".

نفحات روحانية.. ابتهالات وقصائد محمّدية

ومن العادات المتأصّلة التي يحرص أهل غرداية على إحيائها ليلة المولد النبوي، يضيف المتحدّث، تجمّع المحتفلين من مختلف الأعمار، في ساحة قصر "بني يزقن"، بعد صلاة المغرب، في جوّ يسوده التنظيم المحكم بتأطير متطوّعين تنتقيهم الهيئة الدينية للقصر، موشّحين بأزياء تقليدية، حاملين قناديل وأقداح زيتيّة تقليدية ومردّدين مدائح دينيّة تمجّد خاتم الرسل والأنبياء وتتغنى بصفاته وشمائله العظيمة، بينها "المولود المولود المولود، النبي سيدنا محمد صلى الله عليه، وينال البركات كل من صلى عليه"، قبل أن يتنقّلوا في شكل مجموعات ويتجمّعون بأعلى القصر "المحضرة"، كما تتلى بالمسجد العتيق آيات بيّنات من الذكر الحكيم بصفة جماعية، تعطّرها جلسات تذكيرية بخصال ومآثر الرسول، قبل أن ينصرف الجميع لاستكمال بقيّة الاحتفال بمعيّة ذويهم، والتجمّع حول مائدة عشاء خاصة يزيّنها طبق "الكسكسي" المحضّر بمرق التّمر والموسوم محليا بـ " أوشو تيني".

وفي كلّ موسم احتفال بالمولد النبوي، يقول "علي أولاد بلحاج"، يحرص المحتفلون في ربوع غرداية، متليلي، القرارة، بريان، سهل وادي ميزاب والمنيعة، على إشعال الشموع وأعواد العنبر، الذي يترك عبقا يفوح من القلاع الشامخة وقصور المدينة السّبع، إلى جانب تنظيم حلقات إلقاء قصائد وأناشيد دينية " المولدية، البردة والهمزية"، تتخللها دروس ومواعظ عن السيرة النبوية العطرة.

" السلكة" و"الفازعة" في صلب احتفالات "البشاريين"

بعيدا عن مظاهر البهرجة والغلو، يحيي سكان الجنوب الجزائري ذكرى المولد النبوي، كمناسبة دينية تحظى باهتمام بالغ من لدنهم، فبولاية بشار على سبيل المثال لا الحصر، يعبّر عن الابتهاج بالمناسبة بتقاليد ضاربة في القدم، يقول " سعيد نذير" القاطن بمنطقة " بني عباس" إحدى أكبر بلديات ولاية بشار في حديثه لـ " الحراك الإخباري"، مشيرا إلى الشروع منذ مطلع شهر ربيع الأنوار في طلاء أضرحة الأولياء الصالحين، تبركا وتكريما لقاطنيها من الأشراف.

ومن الطقوس التي يتشبّث بتطبيقها أبا عن جدّ سكان الولاية، إقامة حلقات على الهواء الطّلق وفي المساجد لمدح الرسول محمد بن عبد الله، لفائدة الساكنة وخاصة الأطفال لحثّهم على التحلي بصفاته، لاسيما منها "البردة، " المولدية" و" الهمزية"، سبقتها حصص يومية لتلاوة وتجويد القرآن الكريم بالمدارس القرآنية الموزّعة عبر تراب الولاية، تختتم بتكريم حفظة القرآن الكريم من الجنسين في احتفالية تقام على شرفهم. 

البشاريات يبدعن في " الحيبوس" لاحتفالية "لعبار"

وللنساء البشاريات، يضيف المتحدّث، لمستهنّ الخاصة في الاحتفال بمولد الرسول الأعظم، حيث يتفننّ في التحضير لاحتفالية " لعبار" بإعداد ما يعرف محليا باسم " الحيبوس"، وتتعلق بوزن كمية من الكسكسي يقمن بفتله وتحضيره في أطباق يلتفّ حولها حفظة القرآن وجموع المحتفلين، يضاف إليه نحر عدد من الجمال لتحضير" السّلكة" كما يطلق عليها أهالي المنطقة، وهي عبارة عن صدقة يعدّ طلاب حلقات تلاوة القرآن الكريم بمساجد الولاية من أوجهها بين صلاتي الظهر والعصر.

وعقب الانتهاء من العادات الدينية المتوارثة، يطلق العنان لفرق الفلكلور وأصحاب البارود، إيذانا بانطلاق الاحتفالات الثقافية الشعبية الموسومة بـ" الفازعة"، وتعدّ أبرز نشاط ديني ثقافي قديم ومتوارث منذ قرون خلت، كتعبير علني عن الفرحة بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، إلى جانب تنظيم نشاطات أخرى متنوّعة، تشمل كافة مناطق الولاية وما جاورها يردّدون فيها الأناشيد الدينية وقد توشّحوا بألبسة تقليدية تعكس عراقة تقاليد المنطقة، بينها إنشادهم" هذي ساعة من ساعات الله يحضر فيها النبي رسول الله"، مع حمل "جفن" فوق الرؤوس ويحمل الأطفال "عروسا" من بينهم ضمن قوافل تجوب مختلف مناطق الولاية، وسط ضيوف مرحّب بهم قدموا من كلّ جهات الوطن وحتى من خارجه. 

"التبخيرة" و"عود القماري" لتعطير بيوت التلمسانيين

ولاحتفالات "ناس الغرب" الجزائري بالمولد النبوي الشريف طقوس خاصة، قد تختلف في بعض التفاصيل إلاّ أنها تشترك في حبّهم للنبي، يعبّرون عنه بجلسات يحضرها الأهل والجيران، تزيّنها موائد الشاي والحلويات التقليدية، تُلقى خلالها قصائد شعرية في مدح النبي تليق بمقامه، ويستمرّ ذلك إلى غاية الثلث الأخير من اللّيل في الأيام الأولى من ربيع الأول، حيث يحرص سكان تلمسان على التصدّق على الفقراء وتكريم حفظة القرآن بهدايا تحفيزية، بحسب ما أكدته السيدة " فاطمة بن زرقة" عائلتها عريقة بالمدينة، لـ " الحراك الإخباري".

وكشفت السيدة المنحدرة من بلدية ندرومة، أنّ من العادات التي تحرص العائلات التلمسانية على إحيائها كلّما حلّت مناسبة المولد النبوي الشريف، والتي تتواصل عدة ليال متتالية، ترديد الأهازيج على إيقاع الطبول وزغاريد النسوة، منذ فجر اليوم، فيما توجّه دعوات للأهل والأحباب، منذ مطلع شهر ربيع الأول، للتجمّع في بيت أحدهم للاشتراك في الاحتفال، بعد أن يعطّر بما يسمّى محليّا بـ"التبخيرة" و"عود القماري"، ويوشّح الأطفال بألبسة تقليدية " الشاشية والقشابية" للذكور و" الشدّة تلمسانية والقفطان" و" الكاراكو" للإناث، ويلتفون في حلقات حول الشموع المضيئة لترديد أناشيد دينية.

" سلو" و"التقنتة" و" الملوي" و "التريد" أطباق ليلة المولد

من جهتهنّ تحرص ربّات البيوت في تلمسان على ارتداء أثمن الحلي وتخضيب أيديهن بالحنة، وإعداد أشهى المأكولات، لتزيين مائدة المولد النبوي، تضيف المتحدّثة، يكون طبق "البركوكس" سيّدها، بينما تشمل وصفات السّهرة إعداد الشاي وأصناف مختلفة من الحلويات التقليدية على غرار " الملوي" و "التريد"، إلى جانب تحليتي " سلو" و"التقنتة"، مشيرة إلى أنّ سكّان تلمسان لا يزالون متمسّكين بالموروث الثقافي الأصيل، الذين يحرصون على إبراز مظاهره بطقوس خصّ الاحتفال النبوي بها، على غرار إخراج صدقات نحو المساجد والزوايا تشمل قصع من الطعام المرصّع بقطع من اللّحم.

واستذكرت السيدة " فاطمة بن زرقة" كيف كان والدها يرافقها، ليلة المولد النبوي، إلى مكان يطلّ على مئذنة وصومعة المنصورة، القلعة الضاربة في أعماق التاريخ، وبقصر "المشور"، أين تنظّم كل ليلة قصائد في مدح النبي، بينما تحيي الفرق المحلية المناسبة بتنظيم حفلات لمدح النبي بقصائد دينية، على غرار فرقة العيساوة المشهورة.

مآذن قسنطينة تصدح بالقرآن والأزقة تزيّن بالشموع

تشهد عاصمة الشرق الجزائري، " قسنطينة" مدينة العلم والعلماء، طقوس خاصّة في التعبير عن حبّ سكّانها للنبي الكريم، حيث يمتدّ إحياؤهم للمناسبة العظيمة سبع ليالي متتالية، تشعل فيها الشموع الملوّنة لتضيء مداخل البيوت وشرفاتها، تعبيرا عن الاحتفال بقدوم سيّد الخلق، وتحرص النسوة على إعداد أشهى المأكولات التي يتصدّق جزء منها للفقراء وعابري السبيل، عملا بالسنّة النبوية الشريفة، وشمل، حسب السيدة " نجيّة مراكشي" في حديثها لـ" الحراك الإخباري" أطباق " التريدة باللحم والخضار"، "الشواط".

وتزيّن موائد القسنطينيين أيضا بالأطباق الحلوة كـ" الزلابية" و" الجوزية"، وفيما تقوم عائلات بتبادل الأطباق المتنوعة فيما بينها لتجديد الصداقات وتصفية الأذهان والقلوب، تتولى أخرى" ملء القصاع بـ"تريدة الطاجين" أو ما يعرف بـ"الشواط" أو "التليتلي" أو "الشخشوخة" وتوجّه مباشرة إلى المساجد وزوايا قراءة القرآن كزاوية سيدي راشد وسيدي عبد الرحمان"، كما يحرص سكان عاصمة الشرق، تضيف المتحدّثة، على تنظيم حفلات ختان للأطفال، تبرّكا بمولد النبي وفرصة للمّ شمل العائلات التي تعمد الى تخضيب أيادي الأطفال بالحنّاء التي تعد سيّدة السهرة القسنطينية، مع ترديد مدائح دينية وسط جوّ من الفرحة، وذكرت عادة قالت إنها بقيت راسخة بالمنطقة، تتعلّق بالتحضيرات المكثفة لهذه الاحتفالية، كتزيين الأحياء العتيقة بالفوانيس وتعطير الأزقة بالبخور والعنبر، بينما يشرف شباب متطوّع على غسل وتغيير أفرشة المساجد لاستقبال المناسبة الكريمة.

سمية.م

تاريخ Nov 8, 2019