إعلان
إعلان

الدكتور الجزائري نصر الدين بلقاسم يؤكد من اليابان: مستعدون لخدمة بلدنا بوجود الإرادة السياسية القوية والنية الصادقة

منذ شهرين|حوار


** على الحكومة والشعب الابتعاد عن "البريكولاج والسوسيليزم" لبناء الجمهورية الجديدة.
** ثلاث نصائح أقدمها لرئيس الجمهورية الجديدة..

ضيفنا لعدد اليوم، الدكتور  نصر الدين عبد القادر بلقاسم، الباحث الجزائري الذي نافس بسعة علمه اليابانيين في عقر دارهم، هناك وبمخبره الخاص لتطوير واجهات الدماغ الحاسوبية، يعمل حاليا على مشاريع عديدة بينها التحكم في سرب من الروبوتات والطائرات بدون طيار باستعمال إشارات الدماغ، غاص في حديثه الحصري لـ " الإخباري" في الواقع المعاش في الجزائر، البلد الذي هاجره ضمن " هجرة الأدمغة"، ليس بحثا عن العامل المادي وإنما هروبا من "التهميش وقلة الاحترام والتقدير للعلم والعلماء"، وفيما اقترح حلولا "مستعجلة" للنهوض بالتعليم العالي والبحث العلمي، دعا الحكومة والشعب إلى الابتعاد عن سياسية "البريكولاج والسوسيليزم" لبناء الجمهورية الجديدة، وقدّم ثلاث نصائح للرئيس تبون لتجاوز ما أقدم عليه سابقيه، ولسان حاله يردّد " نحن المغتربون مستعدون دائما لخدمة الجزائر ولو على حساب أحلامنا متى كانت هناك الإرادة السياسية القوية والنية الصادقة للعمل معا".

حاورته: سمية.م

*: في البداية حدثنا عن مشاريعكم العلمية التي تعملون على تجسيدها حاليا في اليابان والإمارات العربية المتحدة؟
* د. بلقاسم نصر الدين: بصفتي أستاذ مساعدا بكلية تقنية المعلومات بجامعة الإمارات العربية المتحدة، وباحث زائر بكلية الطب بجامعة أوساكا باليابان، أعمل حاليا على عدّة مشاريع علمية في مجال واجهة الدماغ الحاسوبية بجامعة الإمارات العربية المتحدة، ومشاريع أخرى مع جامعة أوساكا ومعهد طوكيو للتكنولوجيا باليابان، ومع معهد تيانجين للتكنولوجيا بالصين كذلك.
الآن وقد أصبح لديّ مخبري الخاص لتطوير واجهات الدماغ الحاسوبية، فقد أصبحت أعمل على مشاريع هندسية متنوّعة ومن بين هذه المشاريع التحكّم في سرب من الروبوتات والطائرات بدون طيار باستعمال إشارات الدماغ، وذلك لتعزيز مسألة تعدّد المهام لدى الإنسان، والتحكّم في كرسي كهربائي والأجهزة المنزلية بالدماغ.
وكذلك أعمل على مشروع أخر لتطوير جهاز جديد لقياس درجة التعب والتركيز لدى الأطباء للتقليل من الأخطاء الطبية، فقد كان ومازال حلمي هو نقل هذه التكنولوجيا الناشئة "التحكم في الآلة بالدماغ" إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأظن أنه ليس فقط شريحة المعاقين يمكنهم الاستفادة من هذه المشاريع بل حتى الأصحاء وكبار السن.

*الإخباري: وأين وصل مشروعكم العلمي "إمباكت" (ImPACT) رفقة البروفيسور الياباني هيروشي إيشيغورو؟
* د. بلقاسم نصر الدين: بعد انتقالي، مؤخرا، إلى الإمارات العربية المتحدة، كنت قد انتهيت تقريبا من التجارب العلمية للتحكّم في اليد الثالثة بالدماغ المتعلّقة بالمشروع العلمي "إمباكت" مع الطبيب الجراح البروفيسور ماسايوكي هيراتا وعالم الروبوتات البروفيسور هيروشي إيشيغورو، والآن وبعد تجميع البيانات نعمل على تحليلها معا ومحاولة فهم آليات عمل الدماغ خلال تعدّد المهام لتعزيز قدرات الإنسان، وقريبا ستنشر نتائج هذا البحث في مجلة علمية.

*الإخباري: نلتم شهادة مهندس دولة في الإلكترونيات بجامعة مستغانم وشهادة ماجيستير في الذكاء الاصطناعي بجامعة إيسطو بوهران، ولكنكم هاجرتم إلى اليابان، فما سبب ذلك؟
* د. بلقاسم نصر الدين: قبل هجرتي إلى اليابان كنت أعمل مهندس دراسات بالشركة الوطنية سونلغاز لتوليد الكهرباء، وكان منصبا دائما براتب يحلم به كل شاب آنذاك، ولكن هاجرت لأنني سئمت من المحيط الذي كنت فيه، حيث ليس هناك مخبر للبحث والتطوير بالشركة والروتين كاد أن يقتلني، وأنا في وقتها شاب متعطّش للعمل والمعرفة، فأدركت أنني في بيئة تحترم عدد السنوات التي تقضيها جالسا في مكتبك أكثر من الإنجازات التي تقدّمها لشركتك، فلهذا قدّمت استقالتي وقرّرت السفر إلى اليابان بعد حصولي على منحة دراسية من الوكالة اليابانية للتعاون الدولي.

*الإخباري: سبق وأن صرحتم بأن هجرة الأدمغة لم تكن يوما من أجل العامل المادي، وإنما هروب من محيط غير صحي نحو محيط صحي يؤمن بالعلم فقط؟ هلا أوضحتم لنا أكثر؟
* د. بلقاسم نصر الدين: هجرة الأدمغة - وأقصد الهجرة الدائمة- لم تكن يوما من أجل العامل المادي، وهذا فهم خاطئ يحاول البعض إقناع العامة به، وأكبر دليل أن الكثيرين ممّن لا يحصلون على منحة دراسية تجدهم يدفعون أموالا كبيرة نسبيًا للدراسة بمالهم الخاص في الخارج، وتجدهم يفضّلون العيش في بلدان رواتبهم قليلة مقارنة مع بلدان أخرى، فقط لأنهم يعملون في جامعات مرموقة أو مع علماء مشهورين.
 فهجرة الأدمغة هي الهروب من محيط غير صحي – تسوده ثقافة التهميش وقلة الاحترام والتقدير للعلم والعلماء- نحو محيط صحي يؤمن بالعلم فقط، إذن فالسبب معنوي قبل حتى أن يكون من أجل اكتساب الخبرات العالمية وحب المعرفة، فالبلدان التي تحترم كفاءاتها والله لو تدفع لهم البقشيش فقط – بسبب ضعف اقتصادها- لما غادرها أبناءها إلا قليل.

*الإخباري: أكدتم في وقت سابق بأن بعض المسؤولين الجزائريين لا يثقون في القدرات المحلية بل أحيانًا لا يثقون حتى في القدرات العالمية لو كانت جزائرية؟ كيف ذلك؟
* د. بلقاسم نصر الدين: نعم هذا صحيح للأسف، فالمشكل أعمق من عقدة النقص اتجاه الغرب، فحسب خبرتي واحتكاكي بالكثير من المسئولين فالمشكل يكمن في أن بعض المسؤولين غير واثقين حتى في أنفسهم، فكيف تريدهم أن يثقوا في غيرهم من بني جلدتهم؟، بمعنى إذا كان المسئول عن البحث العلمي على سبيل المثال لا الحصر ضعيف المستوى وغير معترف بإنجازاته عالميا، فمن الصعب أن يصدّق أن هناك جزائري مثله أكثر كفاءة وذو مستوى عالمي ينافس علماء الغرب ويمكنه تقديم الكثير للبحث العلمي، وقس على ذلك الصناعة والزراعة وغيرها من المجالات..

 فهم لا يملكون الثقة في أنفسهم لأنهم لا يملكون إنجازات عالمية، ولم يكتسبوا خبرات عالمية، فكيف تريدهم أن يثقوا في جزائري مثلهم وخاصة لو كان صغيرا في السن، ولهذا تجدهم يحصرون الباحثين والعلماء في اثنان أو ثلاثة من الطاعنين في السن، للأسف إنّ فاقد الشيء لا يعطيه، ولهذا فالناجح يظنّ أن الجميع قادر أن ينجح مثله، والفاشل يظن أنه إذا لم يستطع هو أن ينجح فلا أحد يمكنه ذلك.

*الإخباري: ماذا يتعيّن حسبكم على الحكومة والشعب في "معركتهما معا" كما سمّيتموها، لبناء الجمهورية الجديدة؟
* د. بلقاسم نصر الدين: على الحكومة والشعب في "معركتهما معا" أن يعملا ليلا نهارا لبناء جمهورية جديدة بمقاييس عالمية وليس بعقلية البريكولاج، فالسوسيليزم مثلا حطّم الفرد الجزائري وجعل منه شخصا كسولا إتكاليا عاجزا غير مسؤول ينتظر كل شيء مجانا ويلعب دور الضحية دائما حيث يلقي اللوم في فشله على كاهل الحكومة، فلهذا وجب على الشعب أن يطوي خلافاته الماضية ويشمّر على ساعده للمساهمة في معركة البناء من أجل توفير حياة كريمة للأجيال القادمة.
فمستقبل الجزائر ليس مسؤولية الحكومة فقط بل هو مسؤولية جميع أطياف المجتمع بدون استثناء أو إقصاء، وقد تطرّقت لذلك بالتفصيل في كتاب عن سؤال النهضة من وجهة نظر مالك بن نبي، حيت كان عنوان مقالي: أثر تضافر جهود الأغلبية والأقليات (شبكة العلاقات الاجتماعية) في نهضة الدولة المدنية.

*الإخباري: لو طلب من الدكتور عبدالقادر نصر الدين بلقاسم اقتراح حلول مستعجلة للنهوض بالتعليم العالي والبحث العلمي، ما هي الأولويات التي ترون ضرورة تجسيدها لتحقيق هذا المبتغى؟
* د. بلقاسم نصر الدين: في الحقيقة أوّل حلّ يكمن في وضع الرجل المناسب الكفء النزيه في المكان المناسب وتقديم الكفاءة على الولاء والإنجازات على الخبرة، فيتقلّد المناصب القيادية مع الرفع من مستوى الشفافية والمراقبة، وهكذا لا نحتاج نحن "العامّة" من الناس أن نفكّر بدلا عن المسؤولين في الدولة لأننا لا نملك أدوات التغيير الحقيقية التي بيد السلطة التنفيذية، ورغم هذا ففي نظري هناك أربعة حلول مستعجلة للنهوض بالتعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر:

•حلّ كل نقابات الأساتذة والمنظمات الطلابية ومحاسبة عصابتها الفاشلين والانتهازيين واستبدالهم بنوادي علمية فكرية وثقافية.

•إعادة تقييم الأساتذة تقييما عالميا يفضح مستواهم العلمي ويحفّزهم على العمل أكثر وبالأخص الذين يملكون مخابر مجهّزة بكل الإمكانيات (تقييما على ثلاثة أسس: التدريس والبحث العلمي والخدمات المجتمعية التي يقدّمونها للجامعة والمجتمع) أو دفعهم للاستقالة من مناصبهم وتركها لمن هم أفضل منهم. حيت تتوقف الجامعة عن عقلية السوسيليزم في توظيف الأساتذة الجدد وتفتح المجال حتى للمنافسة العالمية لاستقطاب الباحثين الشباب بالخارج مع التفاوت في الراتب، ليس حسب الشهادة فقط بل حسب الإنجازات والمؤهلات العلمية.

•معاقبة كل أستاذ أو مؤطّر غير منتج، وذلك بتحويله من جامعة كبيرة إلى جامعة صغيرة، والعمل على خمس جامعات وطنية (التدريس يكون فيها باللغة الإنجليزية) للرفع من مراكزهم العالمية ودمج الكثير من الجامعات تحت اسم واحد لزيادة فرصة المنافسة العالمية، دعم هذه الجامعات الخمس بالمال وأفضل الأساتذة وفرض مبلغ مالي معتبر على الطلبة الذين يملك أولياءهم دخلا كبيرا ليتم استعماله في تمويل المشاريع، وربط هذه الجامعات بالمصانع العالمية والوطنية وذلك بإبرام معاهدات شراكة وتعاون من أجل تقديم مشاريع تخدم الشركات والمجتمع الجزائري للمساهمة في اقتصاد المعرفة لخلق الثروة.

•تحديث عدد السنوات الدراسية والمواد التعلمية وجعلها مشابهة للبرامج العالمية والتركيز على تطوير مهارات الطالب بمنحهم فترات تدريبية بالداخل والخارج والاستعانة بالكفاءات الجزائرية المتواجدة بالخارج، وتشجيع الشباب على الابتكار وتمويل مشاريعهم العلمية لفتح شركاتهم الناشئة..

ولكن للأسف الحلول التي طرحتها لا يمكن تطبيقها، ليس لأنها غير عملية بل لأنها لا تخدم السلم الاجتماعي (بمعنى أن المستفيدين من الفساد والرداءة لن يتنازلوا عن مناصبهم ويتخلوا عن امتيازاتهم ومصالحهم بسهولة من أجل مصلحة البلاد). فالمنظمات والنقابات ستقاوم قرارات مثل هذه وستحرّض بعض الطلبة الإمّعة ضد المسئولين وسيحاولون غلق الجامعات وخلق الفوضى والشغب.
وزد على ذلك فحاملي شهادة الماجيستير والدكتوراه يعانون من أزمة البطالة لأنّ عدد المتخرجين أصبح مبني على الكم وليس الجودة، وهذا كذلك لن يخدم العديد من هؤلاء البطالين غير الأكفاء ولن يتقبّلوا قانون المنافسة العالمية وأغلبهم لا يملكون ورقة علمية محترمة واحد. فالسوسيليزم أصبح ثقافة ومنهاج عمل للأسف وجب علينا محاربته من العقول أولا، ولكن هذه الحلول التي ذكرتها تحتاج إلى التفاف الطلبة الواعين وأولياؤهم النزهاء المستعدين للتضحية من أجل مستقبل أفضل.

*الإخباري: وقد حقّقتم شهرة كبيرة في اليابان، بصراحة، هل فكرتم أو سعيتم إلى العودة إلى الجزائر التي غادرتموها ذات يوم من سنة 2011؟
* د. بلقاسم نصر الدين: حلمي هو أن أخدم وطني وأساهم في نهضته كما فعل أجدادنا، وهذا حلم أغلب المغتربين إن لم يكن كلّهم، ولهذا فأنا أفكّر في العودة إلى الجزائر في كل يوم تطلع فيه الشمس، ولكن في رأيي الشخصي أنّ عودتي لوحدي هو انتحار فردي، فأنا لا يمكنني أن أترك منصبي ومكانتي لأذهب إلى المجهول بدون أي ضمانات لأجد نفسي أصارع البطالة والتهميش، فعودتنا يجب أن تكون بقرار رئاسي يعزّز دورنا ويؤكد على حاجة الجزائر إلينا، ويومها فقط سنترك خلفنا كل شيء للتضحية من أجل وطننا الحبيب، فنحن المغتربون مستعدون دائما لخدمة الجزائر ولو على حساب أحلامنا متى كانت هناك الإرادة السياسية القوية والنية الصادقة للعمل معا.

*الإخباري: قال عبد المجيد تبون غداة انتخابه رئيسا للبلاد "ساعدوني وشجِّعوني إذا أصبت، وقوِّموني وصوّبوني إذا جانبت الصواب..."، لو طلبنا منك تقديم ثلاث نصائح مباشرة للرئيس ماذا تقول؟
* د. بلقاسم نصر الدين: أنا عبد بسيط ولا أرى نفسي مؤهلا لإعطاء النصائح لأحد، ولكن وإن كان لابد لي من إعطاء ثلاث نصائح لرئيس الجمهورية الجديدة فستكون كالآتي:

•حاول استقطاب الباحثين والكفاءات الشابة ورجال الأعمال المتواجدين بالخارج المفعمين بالطاقة والأفكار الإبداعية التي ستقفز بالجزائر من اقتصاد الريع إلى اقتصاد المعرفة.

•اجعل لكل وزارة مجلس للخبراء والاستشاريين العالمين الأكفاء لننتقل من القرارات الفردية المتهوّرة إلى القرارات الجماعية الحكيمة المدروسة.

•ركّز على تقديس العلم في كل خطاباتك وترسيخ ثقافة العمل وذلك بتكريم العلماء والعمال المجتهدين، وحارب الجهل والتخلّف والأفكار الرجعية الهدامة من أجل إعادة إحياء العقل الجزائري المنطقي والعلمي.

*الإخباري: في الأخير، ما هي النصيحة التي تقدمها للشباب على وجه الخصوص؟
* د. بلقاسم نصر الدين: استمرّوا في المحاولة والتعلّم والتطوير من ذاتكم حتى الرمق الأخير... فالحياة معركة يفوز فيها الحالمين الطموحين الذين لا يملّون ولا ييأسون.. يفشل الْمَرْءُ حين يتحجّج بالأعذار والمعوقات ونقص الإمكانيات وتدهور الأوضاع وانتشار الفساد. ويفشل الْمَرْءُ حين يتوقف عن المحاولات ويغرق في لعن القدر ويغلق كل أبواب الأمل، فلا يهمّ إذا فقدت كل شيء أو فشلت في كل مشاريعك إذا كنت شخصا "واقعيا" إيجابيا متفائلا "حالما" واثقا من نفسك. فالحظ يحترم الأشخاص الواثقين في قدراتهم والمصمّمين على بلوغ أهدافهم، والشباب النزهاء الأكفاء هم رجال الدولة وأملنا الوحيد لبناء دولة قوية في المستقبل.

block: