إعلان
إعلان

هذا الكتاب يلخص: المشروع الفكري للدكتور محمد عمارة

منذ شهر واحد|قراءة في كتاب


صدر قبل فترة قصيرة كتاب "المشروع الفكري للدكتور محمد عمارة"، للباحث الدكتور يحي رضا جاد، عن دار مفكرون الدولية للنشر والتوزيع بالقاهرة.

 ويعد هذا البحثُ الفريد دراسةً في النتاج والجهاد الفكري الذي أبدعه أستاذنا الجليل، المفكر المبدع، والمجتهد المجدد، والعلامة الموسوعي، الدكتور محمد عمارة، رحمه الله، أحد أهم القلوب المتوثبة في أمتنا الإسلامية، وأحد أهم عيونها الساهرة, وأحد عمالقة مدرسة الاجتهاد والتجديد والإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر، وأحد أهم مهندسي المشروع الحضاري الوطني العربي الإسلامي، وفق توصيف المؤلف.

وقال صاحب الكتاب في مقدمته " مَن لم يقرأ أهم كتابات هذا الرجل: فقد فاته الكثير، ومَن لم يُصِبْهُ نُورُ فكرِ أهم هذه الكتابات: فقد استهوته الظلمة!"

وبخصوص اختياره للدراسة، أوضح أنه لَمَّا كان من أهم سبل النجاح والتفوق والتزكي والترقي هو الاستفادة من المشروعات الفكرية الكبرى التي شيدتها كبار العقول العربية المعاصرة، فقد "اخترتُ دراسة واحدٍ من أهم هذه المشروعات لواحد من الكتب الكبيرة في مكتبة العقول العبقرية، أي المشروع الفكري للدكتور محمد عمارة".

وأضاف لَمَّا كان مشروعُهُ الفكريُّ مترامِيَ الأطرافِ (280 كتاباً؛ مُوَزَّعةً بين "التأليف"، و"الجمع والتحقيق"، و"إعادة الطبع والتقديم") ؛ مما يُصَعِّب على الكثيرين مهمة تلمُّس معالم هذا المشروع وسبر أغواره،

ولَمَّا كان جُلُّ ما اطلعتُ عليه من الدراسات الأكاديمية (ماجستير ودكتوراه) المنشورة عن هذا المشروع وصاحبه (سواء في مصر أو في وطن العروبة) أُراها - إجمالاً- متواضعةً، ويَشُوبُها - في تقديري- شيءٌ غيرُ قليلٍ من القصور؛ لأنها لم تَقُم إلا على سيقان "الاجتزاء"، و"الابتسار"، و"انعدام التتبع والاستقراء لموضوعاتها" في مختلف جنبات وأنحاء هذا المشروع الفكري مترامي الأطراف.

ولَمَّا كانت الساحة الفكرية العربية المعاصرة في حاجةٍ شديدةٍ:

- لفَجْرٍ منهجيٍّ جديدٍ يَهدِي ويُرْشِد ويُرَشِّد,

- ولتصفية وتجاوز الكثير من "الثنائيات المتضادة" الشائعة في ساحتها,

- ولتصفية وتجاوز الكثير من "السجالات والتَحَارُشات والتحريشات والصراعات" الفكرية القميئة والمُهلِكة والمُجْدِبة والمُقفِرَة،

- ولتجلية الكثير من الأمور المُشكلة والمُلتَبِسةِ والمسكوت عنها أو المُلتَهِبَةِ وشديدةِ الحساسية (سواء ما تعلق منها بالقرآن المجيد, أو بالسنة النبوية المشرفة, أو بالعقل والعقلانية, أو بمصادر المعرفة وسُبلها, أو بالشك المنهجي, أو بفقه السنن الاجتماعية, أو بفقه الواقع, أو بالوسطية الإسلامية الجامعة.. أو بقضايا النسخ ومناسبات النزول والتاريخية/ التاريخانية, أو بمنهج مقاربة الوحي الإلهي/ القرآن الكريم, أو بمنهج مقاربة المرويات النبوية المشرفة, أو بقضايا الإخاء الديني مع غير المسلمين، والتكفير والردة وحرية الرأي والتعبير والنشر, أو بقضايا الفرقة الناجية والتقريب بين المذاهب, أو بالحوار وفريضته وفضيلته, أو بمنهج التعامل مع دعاوى الخصوم, أو بالتجديد والتفاعل الحضاري, أو بنقد الجماعات الإسلامية, أو بتعرية فقه الاستبداد والتغلب, أو ببيان فلسفة وفقه الثروات والأموال والعدالة الاجتماعية في الفكر الإسلامي.. إلخ)..

لَمَّا كان ذلك كله كذلك, كانت هذه الدراسةُ:

- التي تُمَثِّل وتُقَدم - للمرة الأولى في تاريخنا الفكري المعاصر، بحسب صاحبها- "زبدة"، و"عصارة" الأركان الكبرى والملامح العظمى والمفاصل الأساسية والمحاور التفصيلية للمشروع الفكري للدكتور محمد عمارة.

- والتي تَسْتَخْلِص - أيضاً للمرة الأولى في تاريخنا الفكري المعاصر، فيما أعلم- المنهج الفكري الذي قام عليه "بنيان"، و"معمار" هذا المشروع الكبير.

- والتي تَعْرِض - أيضاً للمرة الأولى في تاريخنا المعاصر، بحسب المؤلف- الملامح الأساسية شِبْه التفصيلية لـ "السيرة الذاتية" لصاحب هذا المشروع الفكري (د. محمد عمارة), وبلسانه مباشرةً.. مما يتيح للأجيال الجديدة الاستفادة من "الخبرات العميقة"، و"اللمحات المهمة"، و"السيرة العطرة"، و"المسيرة الممتدة" التي تحملها هذه الصفحات.

  من جهة أخرى، قال المستشار طارق البشري، رحمه الله، الذي كتب مقدمة خاصة للعمل، إذا كان هذا الكتابُ عن الدكتور محمد عمارة ومشروعه الفكري، فهو أَعْرَفُ مِن أنْ يُعَرِّفَ به أحدٌ، إنه يعكس مسيرةً فكريةً لأكثر من ستين سنةً، كانت كلها فكراً وبحثاً وإنتاجاً معرفياً.

وأكد أن الدكتور محمد عمارة هو "أحد أركان التجديد الصحيح" في "حركة الفكر الإسلامي المَعِيش"، ولا أُلَخِّصُ ما عُرِضَ من فكر محمد عمارة في هذا الكتاب، فحسبي أنه بين يدي القارئ في هذه اللحظة، ولكني أقولُ ما قلتُ؛ لأُنَبِّهَ القارئ إلى أن يجتهدَ في استخلاصِ معنى كلِّ عبارةٍ وكلِّ فقرةٍ، من عباراته وفقراته، وأن يزيد ويعيد التأملَ في معانيها؛ لتستقرَّ في وجدانه، ويتخذَها مرشداً له في تفاعل "فكره العقدي الآخِذِ من الدين الإسلامي" مع "واقع حياته المعيشة في عصرنا هذا وفي جماعتنا السياسية هذه".

وتابع "عمارةُ، في كلِّ ما كَتَبَ طوالَ حياته الفكرية النافعة إن شاء الله، لم يتقيد برأي حاكمٍ ولا سلطانٍ، ولا راعَى في أخص ما كَتَبَ إلا ما يراه وَجْهَ الحقِّ الذي يُقَدَّمُ ليَنفعَ به الناسَ؛ لأنه كاتبٌ نَذَرَ حياتَهَ كلها للفكر الإسلامي، وهذه شهادةُ الثقاتِ من أهل جيله الذين عاصروه وتابعوه وتحققوا مما يَشْهَدُون به".

وأردف بالقول إن فكر عمارة - المعروضَ في هذا الكتاب-: يؤكد، في كل حين، انتفاءَ التعارض المزعوم الذي يَدَّعيه العلمانيون بين "العقل"، و"النقل"؛ باعتبار ما أَوْضَحَه مِن أنَّ القرآنَ - وهو المعجزة التي قدمها الإسلامُ- هو "معجزةٌ عقليةٌ" وليست "ماديةً"، ومن ثم، فهي باقيةٌ ومستمرةٌ، في أثرها وشواهدها، عبر الأجيال، ولكل المسلمين، مهما اختلفت بيئاتهم الاجتماعية، وهي متجددةٌ مع ما يَحدُثُ في بيئات المسلمين من تجدد وتغير واختلاف.

وبيّن أن الدكتور عمارة رحمه الله كان مع حرية الرأي للمخالفين كاملةً؛ لأنه لا يخشاها، ولأنه قادرٌ على أن يَرُدَّ على الرأي الآخَر؛ كشفاً لسلبياته وبياناً لوجه الحق في الموقف الإسلامي الذي يَفْرِضُهُ، مضيفا "إنه حُرٌّ يدعو للحرية؛ لأنه قوي، ويؤيد الحريةَ الكاملةَ؛ لأنه يؤمن بقدرة الفكر الإسلامي على أن يسودَ بما يستجيبُ له مِن حاجات مُعْتَنِقِيه، وَفْقاً لِمَا بَلَغه مِن معرفةٍ بهذا الشأن"

واعتبر المستشار البشري رحمه الله، أن مُعِد هذا الكتاب، أحسن بما صَنَع من تجميعٍ وتصنيفٍ حميدٍ لهذا العدد العديد من أفكار ودراسات الدكتور محمد عمارة في المجالات التي صَنَّفَ فيها دراساتٍ وأبواباً، فجاءت كلٌّ منها مُجَمَّعَةً في مناسبتها الفكرية وفي موضعها في فضاء الفكر والمجتمع، ذلك أن الدكتور عمارة، في زماننا المعيش، هو مِن خيرِ مَن جمعَ بين "المحافظةِ على أصول الدين"، و"التفريع عليها في قضايا المجتمع ومسائله المثارة"، مع الربط بين "المرجعية الإسلامية" وبين "الفكر السياسي الاجتماعي المطروح". وهذا ما نراه في تصنيف مسائل هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

وأضاف بأنّ فِكْرُ عمارة هو ثمرةُ اللقاء بين المحافظين والمجددين في الفكر الإسلامي، إذ عَرَفْنا في أول القرن العشرين نوعاً من الفصام بين هذين الاتجاهين، ثم ما لَبِثَ مع النصف الثاني من القرن العشرين ذاته أنْ تلاشى على أيدي أمثال الشيخ محمد الغزالي ومَن ماثله، ونلحظُ ثمرةَ هذا اللقاء الحميد في المُنتَجات الفكرية التي تَجِد الدكتور عمارة من أبرز مُمَثِّليها ومُحَقِّقيها.

وختم بالقول إن الدكتور عمارة ليس مجردَ كاتبٍ أو مفكرٍ، إنه فردٌ، ولكنه قامَ بعملٍ فيه من الضخامة ما لا يضاهيه إلا عملُ المؤسساتِ والمراكز البحثية (التي تعمل بالعديد من الباحثين والعلماء، وتعمل على مدى يتجاوز جهد البشر الأفراد، ويمتد عبر أجيالٍ)؛ تحقيقاً للتراث الحديث، وجمعاً للمادة البحثية، وإضافةً إليها، وربطاً بين جهود التحقيق والتجميع والإضافة والابتكار الأصيل المُسْتَنِدِ إلى أصوله المرجعية.

تاريخ Mar 2, 2020