إعلان
إعلان

إصدار جديد للمؤرخ بشير بلاح: مواقف الحركة الإصلاحية الجزائرية من الثقافة الفرنسية

منذ شهر واحد|قراءة في كتاب

صدر مطلع العام الجاري كتاب " مواقف الحركة الإصلاحية الجزائرية من الثقافة الفرنسية"، للمؤرخ بشير بلاح عن دار الخلدونية الجزائرية.

وتنبع إشكالية هذا الكتاب، الذي يغطي فترة ما بين 1925إلى 1940، من واقع وطبيعة وتداعيات الصراع الثقافي المصيري الذي كان محتدمًا في الجزائر آنذاك بين الثقافة الغربية العصرية المتوسعة، التي برهنت على إمكانية التجديد والتقدم استنادًا إلى تثمين العقل "النفعي"، والعمل اليومي، والنّظم المحكَمة..، ممثَّلة في الثقافة الفرنسية الغازية؛ والثقافة الجزائرية العربية الإسلامية التقليدية المنزوية والمغلوبة، في ظل التطورات الثقافية والاجتماعية العالمية المتسارعة التي تجاوزت وهمّشت النماذج التقليدية المهيمنة على واقع الجزائريين (والمسلمين). وأدى ذلك إلى طرح تساؤلات كبيرة حول صياغة مشروع ثقافة جزائرية جديدة (أو متجدّدة)، يُوائم بين القديم الأصيل والجديد الوافد الذي أثبت نجاعته، ويتيح للمجتمع الجزائري تحديدَ وجهته وصنع مصيره.

كان لهذه المعركة وعواقبها دور لا يُنكر في تحديد مسار الجزائر المستقبلي وخياراتها على مختلف الصُّعُد؛ إذ من المعلوم أنّ نوعية الشخصية تُطابقُ نوعيةَ الثقافة. بمعنى أنّ سِماتِ شخصيةِ أيٍّ من الشعوب إنما تتكون من نوعية الثقافة التي يتمثّلها ويحيا بها كما أن تنظيم المجتمع والدولة وحياتهما وحركتهما تربطها علاقات وظيفية بطبيعة الأفكار التي تنطوي عليها الثقافة السائدة في ذلك المجتمع (أي أنها مرتبطة بالأفكار وتابعة لها كتبعية الأسعار لقانون العرض والطلب)، وإلا فما الذي يميز مختلف الأمم عن بعضها إن لم تكن الثقافة()؟

لذلك فليس من الصدفة، يقول المؤلف، أن تحرص روسيا (وكذلك بروسيا) على إبادة الثقافة البولونية طوال قرن من الاحتلال (1815-1918) وأن تستميت صربيا في تحقيق ذات الهدف في كوسوفا وغيرها من مناطق نفوذها السابقة، أو الصينيون في إزالة المعالم الإسلامية عن تركستان الشرقية (سينكيانغ).. وما الذي مكّن شعوب البلقان من استعادة استقلالها بعد خمسة قرون من السيادة التركية لولا عضُّها على ثقافتها بالنواجذ؟ كما مكّن الإيرلنديين من الحفاظ على هويّتهم - بعدما بذل الإنكليز كل ما وسعهم لإدماجهم على مدى نيِّفٍ وسبعمئة سنة - لولا تمسّكهم بما خُصّوا به من لسان وعقيدة وعادات؟ ويقال مثل ذلك عن التشيك، والباسكيين والفلمنكيّين (flamands) والإستونيين، والمجريين وغيرهم.

وقد فرض ذلك على المجتمع الجزائري واجبات ثلاثة، وفق ما قرّره الباحث في مقدمة عمله، هي ضرورة تجاوز الانحلال الداخلي (الذي هو مطيّة التسلّط الخارجي) للتغلّب على الجمود والفوضى، وكذلك ضرورة مواجهة الغزو/ الاستلاب الثقافي الفرنسي، لتجنّب الانقراض والتبعية، زيادة على حتمية التفاعل البنّاء مع روح العصر لتفادي العزلة والموت البطيء.

 أهم ما ميّز هذه الفترة في الجزائر هو بروز حركة إحيائية - إصلاحية إسلامية، تصدّت بكل طاقاتها لمحاولة صياغة وإنجاز مشروع ثقافة جزائرية متجدّدة، كما تميزت بانخراطها العميق في صراع ثقافي مصيري مرير يمسّ مستقبل الجزائر السياسي، بالنّظر إلى تعارُض الدعاية العروبية والإسلامية المصاحبة لتعليمها الحرّ، ولأنشطتها الإعلامية والدّعَويّة والترقوية والتحسيسيّة الأخرى (كتأسيس المساجد) مع هيمنة الثقافة الفرنسية التي يرتكز عليها النظام الاستعماري، في ظل سيادة فرنسية لا ترضى بأقل من السيطرة الكاملة، فضلاً عمّا تضمّنته من تأكيد على خصوصيات الشعب الجزائري التاريخية والثقافية، وما تطلّبته من جهود جماعية ووطنية مؤطِّرة ومُلهِمة.

مثّلت الحركة الإصلاحية الإسلامية –إذن-الطليعة الثقافية والروحية للشعب الجزائري، وحصن المجتمع في مواجهة جهود الإلغاء والمسخ والإدماج الفرنسية الحثيثة التي أصابته في الصميم، وكادت تذهب بهويته في ظل هيمنةٍ ثقافية وروحية (وسياسية واقتصادية..) غربية مطلقة؛ يقابلها جمودٌ وتفكّك وفوضى خُلقية واجتماعية وسياسية..في عالم الإسلام، إلى حدٍّ سلَب المجتمعات المسلمة إنتاج تاريخها الخاص، وجعل الحضارةَ الإسلامية نفسَها مهدّدة بالإبادة أو بالاندماج في الحضارة الغربية على حدّ تعبير "توينبي" (Toynbee)()؛ وعجزٌ وتقاعس عن تجديد كيان الإنسان طبقًا لتعاليم الإسلام الحقّة - كما هو هدف الحركة الإصلاحية- ومناهج العلم الحديثة الكفيل وحده بإعادة التوازن إلى حياته()، رغم أنّ المسلمين كانوا أصحابَ الفضل في انتقال البشرية إلى عصر المنهج العلمي الدّقيق().

وبما أن الحركة الإصلاحية كانت كذلك؛ فقد تحتم عليها –وهي تتصدى لكل ذلك، وتضطلع بمهمّات الإحياء الثقافي وإعادة البناء الاجتماعي- أن تستجيب بتبصّر لتلك التحدّيات، بما يمكّن من تجديد كيان الإنسان الجزائري في إطار ثقافته العربية الإسلامية، بكيفية تراعي وتستوعب متطلبات العصر ومستجدّاته الحاسمة التي جسّدها زحف الثقافة الفرنسية، كمورد ورأس حربة للثقافة الغربية المتوسّعة.

وعليه طرح المؤرخ بلاح الإشكالية التالية نفسها: " إلى أي مدى تمكّنت الحركة الإصلاحية الجزائرية- وهي تجتهد في إحياء الثقافة الجزائرية وتجديد كيان الإنسان الجزائري وإعادة البناء الاجتماعي، في ظلّ الجمود الداخلي، مقابل التطور الثقافي العالمي الاستثنائي- من الاستجابة بأصالة وإيجابية لتحديات ومتطلبات العصر التي مثّلتها أو عكستها الثقافة الفرنسية، وتوظيف ذلك في خدمة الانبعاث المنشود؟".

وعالج المؤلف إشكالية الموضوع عبر أربعة فصول، تناول أولها الحركة الإصلاحية الإسلامية الجزائرية المعاصرة، وثانيها العوامل المؤثرة في مواقف الحركة الإصلاحية من الثقافة الفرنسية، قبل أن يعرج عبر الفصل الثالث مواقف الإصلاحيين من الثقافة الفرنسية، ويختمها بالفصل الأخير حول آثار تفاعل الحركة الإصلاحية مع الثقافة الفرنسية على الجزائر.

تاريخ Feb 29, 2020