إعلان
إعلان

الشيخ القاسمي في ندوة البركة الأربعين للاقتصاد الإسلامي: حاجة الأمّة إلى تجديد فقهها

منذ 16 يومًا|دين

بسم الله الرحمن الرحيم 



انعقدت ندوة البركة الأربعون للاقتصاد الإسلامي، هذا العام، عبر وسائل التواصل عن بعد؛ وذلك يومي السبت والأحد 16- 17 رمضان 1441هـ الموافق 09-10 ماي 2020م. واختار القائمون عليها "فقه الجوائح "، لتعالج في ضوئه مواضيع ذات صلة بتداعيات "أزمة كورونا"، والأوضاع المتردّية الناجمة عنها، في مختلف مجالات الحياة: الاقتصادية، والاجتماعية، والإنسانية.

وقد دُعي رئيس هيئة الرقابة الشرعية لبنك البركة الجزائري إلى تقديم بحث في الموضوع الرابع من محاور الندوة، المتعلّق بإخراج الزكاة؛ فكان عنوان بحثه: " إخراج الزكاة بين التّأجيل والتعجيل في ظلّ الظروف الطارئة والجوائح القاهرة "؛ وألقى في الندوة مُلخَّصا له، في سبع نقاط:

01-في المقدّمة: نوّه بندوة البركة للاقتصاد الإسلامي؛ وقال:« إنّها قدّمت عبر السنين، خدمة جليلة للمؤسّسات المالية الإسلامية، الّتي انتفعت بثمرة هذه الجهود المباركة، وعزّزت بها مسيرتها، واستنارت بها في خطواتها، نحو مستقبل واعد بإذن الله ». ووجّه تحية عرفان للعلماء الّذين أثْرَوا ندوة البركة، منذ تأسيسها؛ وأمدّوها ببحوثهم القيّمة، واجتهاداتهم الموفّقة؛ كما أثروا المكتبة الفقهية والاقتصادية.
كما وجّه تحية إكبار لمؤسّس الندوة وراعيها، الذي يعود إليه الفضل، بعد الله، كما قال، في إنجازاتها الجليلة؛ مثلما كان له فضل السّبق مع إخوانه الروّاد، في تحويل مشروع الصيرفة الإسلامية، من مجرّد فكرة في الأذهان، إلى مشروع حضاريّ، أصبح واقعا ملموسا مجسّدا في الميدان.

02-في النقطة الثانية: تحدّث عن الزكاة، وأثرها في تحقيق التكافل والتضامن في المجتمع المسلم؛ ووصفها بأنّها: " ركن ركين من البناء الإسلامي، الّذي لا يُحفظ المجتمع الآخذ بالدين الحنيف إلاّ إذا أقام البناء كاملا. فإذا سقط ركن من الأركان، تداعى الباقي من البنيان؛ ويفقد المجتمع بذلك عوامل الأمن والسّلامة والأمان. وقد قرن الله الصّلاة بالزكاة، في أكثر من ثلاثين مرّة، في آيات القرآن. ونبّه، رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، على الجمع بينهما، فيما رواه عنه أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنّه قال: " لا يقبل الله صلاة الرجل، لا يؤدّي الزكاة، حتّى يجمعهما. فإنّ الله تعالى قد جمعهما، فلا تفرّقوا بينهما ".

03-في النقطة الثالثة: تحدّث عن جواز تأجيل إخراج الزكاة، بعد حلول وقتها، لموانع ظرفية قاهرة، كما هي الحال في الأزمة الراهنة، والآثار السّيئة الناجمة عنها، في مختلف القطاعات الاقتصادية والتجارية والمؤسّسات المالية؛ حيث فرضت هذه الأزمة اتّخاذ إجراءات تقيّد أحيانا حركة سحب الأموال؛ وقد يترتّب على ذلك شحّ السيولة؛ فيتعذّر على من وجبت عليه الزكاة تأمين مبلغها، لأسباب خارجة عن إرادته. وهذا المانع الظرفيّ هو الّذي اعتبره الفقهاء في إجازة تأجيل إخراج الزكاة، في بعض الحالات. وفي هذه النقطة بيّن الباحث أنّ المطلوب المبادرة بإخراج الزكاة، ولو على دفعات، ممّا يتوافر من مبلغها لديه؛ حتى يخرج كامل المبلغ المترتّب عليه. والمستند في ذلك، كما قال: " القواعد التي تعدّ أصلا من أصول التشريع، مثل قاعدة "رفع الحرج" قال الإمام الشاطبي: " إنّ الأدلّة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع"؛ كقوله تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ }الحج/78. وما جاء من آيات تدلّ على هذا المعنى؛ كقوله سبحانه:{يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَاهَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}البقرة/185 ".

04-في النقطة الرابعة: ركّز الباحث على تعجيل إخراج الزكاة، في أوقات الأزمات؛ " فجائحة كورونا "، كما قال: " قد أفرزت أوضاعا سيّئة، تضرّر منها خلق كثير، وأصابهم بسببها كساد عظيم؛ ولاسيما الّذين يعملون في قطاعات لا يجدون فيها دخلا قارًّا، وأصحاب الأعمال المؤقّتة، وذوو الحرف والمهن المختلفة؛ وهذا ما دعا إلى إصدار فتاوى تجيز تعجيل إخراج الزكاة، لفائدة المعوزين، والفئات الهشّة، والجهات المتضرّرة، في هذه الظروف القاهرة ". وقد بيّن الشيخ أنّ الأصل في إخراج الزكاة دوران الحول مع بلوغ النصاب؛ غير أنه يجوز تعجيل إخراجها، إن كان في ذلك مصلحة شرعية، كما هي الحال. فإذا عرضت حاجة تقتضي تعجيل الزكاة، جاز تعجيلها؛ وذلك بإخراجها قبل أن يحول عليها الحول، شرط ملك النصاب يوم التّعجيل. وهذا ما أجازه جمهور الفقهاء، خلافا للمالكية الّذين لا يجيزون التعجيل، إلاّ بزمن يسير ".

05-في النقطة الخامسة: قال: " إنّ تعجيل إخراج الزكاة، قبل حلول وقتها، يدخل في عموم المسارعة في الخيرات. فالمسلمون يتنافسون في سبل الخيرات، في حال السّرّاء. ولا شكّ أنّ فعلهم الخيرات في الشدائد والبلايا، وفي حال الضرّاء، هو أولى وأجدى؛ سواء بأداء الزكاة وتعجيل إخراجها، أو التصدّق على المحتاجين والمتضرّرين؛ وذلك ممّا يظهر قوّة المجتمع المسلم، ويحقّق التكافل والتضامن بين المسلمين، وهو من مقاصد الشريعة الإسلامية السّمحة ".

06-في النقطة السادسة: تحدّث عن الإحسان إلى غير المسلمين في المجتمعات التّعدّدية، وإسعاف ذوي الحاجات منهم، والسعي لإيصال الخير إليهم؛ وذلك انطلاقا من دعوة الإسلام إلى الرّحمة الّتي وسعت المسلمين وغير المسلمين؛ وهي رحمة عامة، ودعوة إلى خير الإنسانية جمعاء.

وقال:"..نحن المسلمين نعتبر من الإحسان، الّذي هو أعلى مرتبة، بعد الإسلام والإيمان، الإحسان إلى الخلق جميعا، دون النظر إلى جنس أو لغة أو دّين. فالخلق جميعا عيال الله، وأحبّ عباده إليه أنفعهم لعياله، كما جاء في حديث أنس رضي الله عنه، عن رسول الله، صلّى الله عليه وسلم أنّه قال: "الخلق عيال الله، وأحبّ عباد الله إلى الله أنفعهم لعياله"

07-في النقطة السابعة: أشار إلى اختلاف الآراء، بشأن الفتاوى التي صدرت، في ظلّ الأزمة الراهنة؛ مع العلم أنّها مؤصّلة، وأصدرها فقهاء مشهود لهم بالعلم والورع. وهذا ما دعا، في تقديره، للتّذكير بالحاجة الملحّة إلى تعزيز دور المجامع الفقهية؛ ولا سيما مجمع الفقه الإسلاميّ الدّولي؛ وذلك بهدف التقريب بين المسلمين، وتوحيد الفتوى في مجتمعاتهم. وفي هذا السياق، أبرز الشيخ محمّد المأمون القاسمي: " الحاجة إلى إعمال فقه الأولويات، وإحياء فقه المقاصد والمآلات، بما يبرز عظمة الإسلام، وسماحة تشريعاته في كافّة المجالات؛ باعتباره دينا لكلّ عصر ومصر، وشريعته ربّانية خالدة إلى يوم الدين؛ وسرّ بقائها واستمرارها وصلاحها لكلّ زمان ومكان، يكمن في مرونتها وحيويتها، وتفاعلها ومواكبتها للتغيّرات، ومراعاتها لتطوّرات الحياة ". 1.

 وختم الشيخ ملخّص البحث بالدعاء إلى الله أن يرفع عن الأمّة ما حلّ بها من أذيّة، ويصرف عنها كلّ بلية؛ وأن يرفع الوباء والبلاء عن بلاد المسلمين، ويصرف الشرّ والضرّ عن عباده أجمعين.
-------------------------------------------------------
  1.هذه الكلمات الّتي وردت في دعوة الشيخ إلى" تجديد فقه الأمّة "، استشهد بها، في كلمة الاختتام، الشيخ صالح عبد الله كامل، رئيس الندوة، رئيس مجموعة البركة المصرفية، رئيس مجلس أمناء وقف اقرأ للإنماء والتشغيل، رئيس مجلس إدارة المجلس العام للبنوك والمؤسّسات المالية الإسلامية؛ منوّها بما تملكه الأمّة من قيم حضارية وفقه راشد.


18 رمضان 1441هـ الموافق11 ماي 2020م
خلية الإعلام والاتصال

تاريخ May 12, 2020