الحراك الإخباري - مسبوقون قضائيا يشيدون بمرسوم اسقاط " الكازيي" من الملفات الادارية ويؤكدون: عقاب المجتمع أشدّ من عقوبة السجن
إعلان
إعلان

مسبوقون قضائيا يشيدون بمرسوم اسقاط " الكازيي" من الملفات الادارية ويؤكدون: عقاب المجتمع أشدّ من عقوبة السجن

منذ 6 أشهر|روبرتاج

خريجون من مختلف المؤسسات العقابية، عانوا الأمرين جرّاء تبعات قضائهم فترة من حياتهم بين جدرانها، "المحابسي"، " تاع حباس"، وغيرها من الكلمات ينعثون بها في العلن والخفاء وإن استفادوا من حكم نهائي يثبت براءتهم، في مجتمع لا يرحم أمثالهم إلا من رحم ربي..

فئة هشّة اجتماعيا، همّشت على أكثر من صعيد رغم إنصاف النصوص القانونية الخاصة بالإدماج الاجتماعي والمهني، محرومون من العمل القارّ، تخطي أقدامهم عتبة المؤسسة العقابية، أضحى "وصمة عار" سارية المفعول وعائق في طريق إدماجهم مهنيا واجتماعيا.

طلب صحيفة السوابق العدلية في الملفات الإدارية، باعتبارها وثيقة تبيّن الأحكام الصادرة من إحدى الجهات القضائية بالجمهورية في جناية أو جنحة قضت بعقوبات مقيّدة للحرية، حوّل فرحة خروجهم من السجن إلى بداية لمشاكل لا حصر لها، وحال دون الأخذ بأيديهم إلى برّ الأمان، بعيدا عن ظروف الجريمة وعواملها، إقصاء وعزل عانى منه كل من محمد، فؤاد والهاشمي، الذين فتحوا قلوبهم لـ " الحراك الإخباري"، ورووا قصصهم مع التهميش.

...ويتنفس الصعداء...

إعفاء محمد الهاشمي وفؤاد وغيرهم من المسبوقين قضائيا، من تقديم صحيفة السوابق القضائية في الملفات المودعة لدى جميع الإدارات العمومية، وفق مشروع مرسوم تنفيذي درسه اجتماع مجلس الحكومة في إطار الإجراءات التي اتّخذتها السلطات العمومية في مجال مكافحة البيروقراطية، لاقى ترحيبا واسعا من قبلهم، وأكدوا في حديثهم لـ " الحراك الإخباري" فعاليته في إعادة إدماجهم في المجتمع، من شانه "تحسين نفسياتهم، حفظ كرامتهم وتوفير حياة كريمة لهم وذويهم ومن تمّ ثنيهم عن العودة إلى براثن الانحراف".

" محمد" 40 سنة، يقطن بعين النعجة، مسبوق قضائيا بسبب جنحة الضرب، استبشر خيرا بمشروع المرسوم التنفيذي القاضي بإعفاء خريجي السجون من إيداع صحيفة السوابق العدلية ضمن الملفات الإدارية، قائلا " ذات المرسوم انتظرناه طويلا ويعد أحد المطالب الأساسية لجميع المساجين".

وهو ما ذهب إليه " الهاشمي"، 43 سنة، من باب الوادي، اعتبر ذات المرسوم " كرامة وحياة جديدة" وفق تعبيره، من شأنه إخراجه من " حياة الذل" التي يعيشها، تعينه على "طيّ صفحة الماضي والتوبة من المعاصي"، فحسبه " لا يوجد أفضل من أن تنال رزقك من عرق جبينك، وخدّام الرجال سيدهم".

من جهته، رحّب " فؤاد" 50 سنة، من البليدة، بالقرار الذي من شانه " العمل على إدماج المسبوقين قضائيا في المجتمع"، مشيرا إلى أن هؤلاء وعند خروجهم " وين يروحوا يلقاوها مغلوقة في وجههم، الحرمان من الوظيفة بسبب السوابق العدلية نغّص عليهم حياتهم وحرمهم أيضا من الاستفادة من الضمان الاجتماعي وعديد المنح والتعويضات".

محمّد: بعض أرباب العمل استغلوا الصحيفة لاستغلالنا

عن مدى أهمية المرسوم في حياته، روى محمد لـ"الحراك الإخباري" فصول حوادث حزت في نفسه كثيرا وأشعرته كما قال بأنه " مواطن درجة ثانية وثالثة"، "فإلى جانب اشتراط شهادة العمل التي تثبت الخبرة المهنية المكتسبة، مستخرج من صحيفة السوابق العدلية رقم 03 سارية المفعول أو الصلاحية، حرمني من ولوج عالم الشغل، ومن الحصول على بطاقة الحرفي، ومن بطاقة الشفاء، والملف المطلوب يذيّل بعبارة: لا تؤخذ بعين الاعتبار الملفات الناقصة".

ملّفاتي كانت دائما ناقصة وذات الوثيقة، يضيف المتحدث، بصمت بالثلاث على أنني " سجين سابق" ومنعتني أيضا من المشاركة في مسابقات التوظيف، رغم التعليمة السابقة لوزارة العدل والتي ترمي إلى استبعاد صحيفة السوابق العدلية من مسابقات التوظيف، وهو ما اعتبره "عقوبة مزدوجة"، بل و" سلاح في يد بعض أرباب العمل، يشترطون صحيفة السوابق العدلية لحرماننا من عديد المستحقات".

محمد لطالما احتج بمعيّة الآلاف من المسبوقين قضائيا للمطالبة بإدماجهم فعليا في مناصب شغل، وهدّدوا بالخروج إلى الشارع للاعتصام طلبا لتبييض صحائفهم، بعد أن ملوا من تهميش ملفاتهم لكونها إما ناقصة أو تحمل قسيمة سوابق عدلية تثبت دخولهم السجن بغض النظر عن نوع التهمة...

الهاشمي: حتى والد خطيبتي طالبني بالـ " الكازيي"!!

في قلب الحي الشعبي بلكور بالعاصمة، جمعنا حديث بـ " الهاشمي"، 43 سنة، عاد خلاله بالذاكرة إلى الوراء، وبالضبط عندما كان بعمر العشرين، أين امتدت يده إلى السطو والسرقة " كنت صغير ومانعرفش صلاحي"، ليقضي 7 سنوات من عمره بالمؤسسة العقابية،  "ولم أكن أدري بأن الحرية التي كنت أتوق إليها كل لحظة ستتحول إلى سجن ثاني".

الهاشمي كشف لـ " الحراك الإخباري" أن نظرات أهله وجيرانه كانت سهاما قاتلة، وظلّت تذكره رغما عنه أنه " لص سابق" كما قال، " ورغم توبتي لا أحد يصدقني"، وما آلمه قرار فسخ خطوبته، " خطيبتي فسخت خطوبتنا مرغمة، بعد أن شوّه أحد جيراني صورتي وأخبر والدها بأنني محابسي سابق"،  ليتكسّر حلم بناء أسرة في كلمة واحدة " الهاشمي مجرم"، وبنبرة حزينة أضاف المتحدّث " تصوّروا والدها طالبني بإحضار صحيفة السوابق العدلية"، وهو ما قذف في قلبه الإحباط واللاأمل.

نعم أخطأت ونلت عقابي، يضيف الهاشمي، حاولت طيّ صفحة الماضي، والعودة تدريجيا إلى الحياة الطبيعية، ولكن المجتمع يصر على معاقبتي مدى الحياة، حرمت من الزواج والاضطلاع بوظيفة لأنني مسبوق، أغلب الذين أقصدهم للعمل يرفضون تشغيلي بهوية سجين سابق"، يصمت الهاشمي قليلا قبل أن يستطرد "وصمة التصقت بي وانتهى الأمر"، وهو ما اعتبره " عقوبة بديلة"، كبّدته مواجع وغصة لن تندمل...

الهاشمي أطلعنا على حيازته لـ  16 ديبلوما، اعتبرها كما قال " شيعة بلا شبعة"، حيث "تلاحقني مشاكل الحياة بصفة مستمرة، وين تروح يقولك جيب الكازيي"، وفي حالة هزت مشاعرنا احتبس فيها الدمع بين الرمش والجفن قال" نحوّس ناكل الحلال، راني محتاج نخدم، حاب يكون رزقي حلالي، ماشي حاب نولّي لنقطة الصّفر"، قبل أن يستطرد " أدعولي معاكم ربي يفرجها عليا".

فؤاد: البطالة أدخلتني السجن سبع مرات

في " لاسيتي وريدة" بولاية البليدة، يقطن " فؤاد" 50 سنة، متزوّج وأب لطفلين، بداخل " شبه" سكن فوضوي، يفتقر لأبسط شروط العيش الكريم، قضى 25 سنة في السجن وكما قال " قضيت نصف عمري فالحبس"، ليزيد الإحجام عن توظيفه من حدّة آلامه.

"بعد خروجي من السجن، صعب عليّ الاندماج في المجتمع" يقول فؤاد الذي فتح قلبه على مصراعيه وتحدّث لـ " الحراك الإخباري" عن معاناة بحجم الجبال، " وين تروح يقولك لازم شهادة السوابق العدلية، حرماني من التوظيف جعلني أعيش بطالة قاتلة دفعتني إلى طرق باب السّجن سبع مرّات"، يضيف المتحدّث مشيرا إلى أنّه سبق وأن تقدم بطلب رد الاعتبار لمحو آثار الإدانة في صحيفة السوابق العدلية، على مستوى المحكمة ولكنه وقف عاجزا أمام شرط تسديد الغرامة المالية.

"بعد خروجي من السّجن حرصت على الاسترزاق بالحلال، ولكنّني حرمت من استخراج سجل تجاري، يمكّنني من إعالة أسرتي ويبعدني عن الطريق ماشي مليح، فقلّة ذات اليد كانت السبب الرئيسي في عودتي لطريق نهايته السجن من جديد"، يقول فؤاد وقد حزّ في نفسه كثيرا تعذّر حصوله على قفة رمضان رغم عوزه " رحت ندير دوسي تاع قفة رمضان، فتعذّر عليّ تكوين ملفّها أيضا، أنا خدّام عند روحي نهار نخدم نهار لالا"،

هم مسبوقون قضائيا يعوّلون كثيرا على مشروع المرسوم التنفيذي الذي سيعفيهم من إدراج صحيفة السوابق العدلية ضمن ملفات طلب عمل، ليحيوا حياة اجتماعية طبيعية، يضطلعون بوظائف كبقية المواطنين من شانها أن تحفظ كرامتهم في الجزائر الجديدة...

ربورتاج: سمية.م

تاريخ Nov 23, 2020