إعلان
إعلان

سبل نجاح و تمكين المجتمع

منذ 24 يومًا|دين


إنّ الأمن عند الفرد جميل و منفعة متعدّدة ، و الأمن في المجتمع أجمل و مكسب للبلاد و العباد ، إذ يضمن للنّاس الاستقرار و الطمأنينة و السّلام ، فالبلد الذي يسوده الأمن حتما يتقدّم و يزدهر و تظهر فيه الاختراعات و الاكتشافات و المعجزات ما دامت الفتن غائبة و نائمة و المجتمع في جوّ من الرّقيّ و الانفتاح ، و الفرد فيه يعمل بجدّ دون أي ضغط أو خوف ، حتّى العبادة تُمارس بخشوع و ثبات بلا قيود و لا إملاءات . و في الحقيقة الشيء الذي يجلب المحبّة و يصنع الأمن هي التّقوى و الإيمان ، فالعبادة الصّحيحة الصّادقة تساهم بقسط كبير في سلامة و أمن العباد ، و لذلك دعا إبراهيم خليل الرّحمن – صلّى الله عليه و سلّم – ربّه أن يرزق أهل مكّة الأمن و الخير ، و بدأ بالأمن لأنّه يسمح للنّاس أن يعملوا و يعيشوا في سلام ، قال الله تعالى في الآية 126 من سورة البقرة : " وَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَ ارْزُقَ اَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنَ امَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَ بِيسَ الْمَصِيرُ " .
ففي ظروف آمنة يتمكّن النّاس من أداء مناسك الحجّ و يذكرون ربّهم و يعظّمونه بلا تردّد و لا هلع و لا فزع ، فبالتّقوى يتحقّق الأمن و الطمأنينة و يعيش النّاس في سلام و أمن و لا يخافون . و ذَكّر الله تعالى عباده بالتّقوى حتّى يرزقهم الأمن و يجعل لهم مخرجا و نجاة و هذا ما جاء في قوله تعالى في الآية 29 من سورة الأنفال : " يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ " ، قال الفرّاء : يجعل لكم فتحًا و نصرًا كما قال يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ، و قيل أيضا : يجعل لكم عزًّا في الدّنيا و ثوابا في الآخرة ، و عقوبة و خذلانا و ذلاّ لأعدائكم . و النبيّ – صلّى الله عليه و سلّم – دعا المؤمنين ليتّقوا ربّهم عزّ و جلّ و يذكروه فلا يخذلهم و لا ينساهم أبدا ما داموا يتّقونه فيمنحهم القوّة و ينشر فيهم الأمن و الطمأنينة و ينصرهم على أعدائهم ، و في الآخرة لهم الأجر العظيم و الغفران الجميل و الخير الكثير ففي الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في الحلية عن عليّ – رضي الله عنه – عن رسول الله – صلّى الله عليه و سلّم – أنّه قال : " مَنْ اتَّقَى اللهَ عَاشَ قَوِيًّا وَ سَارَ فِي بِلاَدِهِ آمِنًا " ، و هذا سواء على مستوى الفرد أو المجتمع إذا كان فيه من يؤمن بالله تعالى حقّ الإيمان و يتّقيه حقّ تقاته و يعبد الله تعالى و لا يشرك به شيئا فهو الآمن في الدّنيا و الآخرة ، و جاء في حديث أبي داود عن عبد الله بن سخبرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلّى الله عليه و سلّم - : " مَنْ أُعْطِيَ فَشَكَرَ وَ مُنِعَ فَصَبَرَ وَ ظَلَمَ فَاسْتَغْفَرَ وَ ظُلِمَ فَغَفَرَ وَ سَكَتَ قال : قالوا يا رسول الله ما لَهُ ؟ قال : " أُولَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ " . و جاءت الآية القرآنية تؤكّد على أنّ أمن النّاس و سلامتهم مرتبطة بالتّقوى ، أي أنّ التّقوى هي التي تجلب لصاحبها الأمن و الاستقرار و القوّة و التّقدم ، قال الله تعالى في الآية 82 من سورة الأنعام : " الذِينَ ءَامَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ اولَئِكَ لَهُمُ الاَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ " . فهذه الآية جاءت صريحة تشجّع المؤمنين على التّقوى و على الإيمان الصّادق الذي لا شرك فيه و لا نفاق و لا اعوجاج ، فكلمة " الظّلم " هنا بمعنى الشّرك ، و جاء في التّفسير ما رواه الإمام البخاري عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال : لمّا نزلت هذه الآية شقّ ذلك على أصحاب رسول الله – صلّى الله عليه و سلّم – فنزلت : " إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " في سورة لقمان ، فقال النّبيّ – صلّى الله عليه و سلّم – : " ليس الذي تعنون ، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح : " إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " إنّما هو الشّرك " . و الإيمان عندما يقوى و يتجسّد في العمل و المعاملة و هو يتبرّأ من الشّرك و لا يخضع للشّهوات فيرتقي إلى التّقوى التي تضمن الأمن و الهداية و السّلامة و الطمأنينة و انتشار الخير و هذا ما جاء في قوله تعالى في الآية 96 من سورة الأعراف : " وَ لَوَ اَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَ الاَرْضِ وَ لَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ " . أي لو آمن أهل القرى بقلوبهم و صدّقوا بما أنزل الله تعالى على رسله صلوات ربّي و سلامه عليهم و اتّبعوا طريق الرّشاد الذي يقرّبهم من ربّهم و هم يتّقونه فيخافون عذابه الأليم الذي لا مفرّ منه و يرجون رحمته التي وسعت كلّ شيء فيعملون بتعاليمه و لا يخالفونه ، فإنّه تعالى ينزل عليهم القطر و يسقي أرضهم فينبت لهم الزّرع بمختلف أصنافه من الخضر و الفواكه و الحبوب . . . ، و لكنّهم كذّبوا رسله - عليهم الصّلاة و السّلام - و خالفوا أوامره عزّ و جلّ و عملوا بهواهم و خضعوا لأنانيتهم ، فعندها أتاهم العذاب و عاقبهم الله تعالى بالهلاك على ما كسبوا من المعاصي و الآثام .
فهذه الآية ( الآية 96 من سورة الأعراف ) تشير إلى أنّ التّقوى تجلب الخير و الأمن و تبعد القحط و الهلاك في الدّنيا و الآخرة ، و في القرآن الكريم كشف الله تعالى لنا أنّ التّقوى هي الأساس و هي التي تقرّب العبد من ربّه تعالى الذي دائما يجعل للمتّقين المخرج و يرزقهم من حيث لا يدرون و ممّا لا يتوقّعون ، قال الله عزّ و جلّ في الآيتين 2 و 3 من سورة الطّلاق : " ... وَ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ... " ، و في الآية 4 من سورة الطّلاق يقول عزّ من قائل : " ... وَ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنَ امْرِهِ يُسْرًا " ، و في الآية 5 من سورة الطّلاق يقول الله تعالى : " ... وَ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَ يُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا " ، فهذه الآيات تحثّ النّاس على تقوى الله تعالى ، لأنّ في تقوى الله تعالى خيرات كثيرة و منافع لا حدّ لها ، و التّقوى هي الخوف من الله تعالى و التّوكّل عليه و حسن الظّنّ به و الطّمع فيما عنده و الاعتماد عليه في كلّ الظّروف ، فالمتّقون يناجون ربّهم في كلّ الأوقات و يستغفرونه و يدعونه ، قال الله تعالى في الآيتين 70 و 71 من سورة الأحزاب : " يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ قُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ مَنْ يُطِعِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا " ، و جاء في تفسير ابن كثير ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعريّ – رضي الله عنه – قال : صلّى بنا رسول الله - صلّى الله عليه و سلّم – صلاة الظّهر ، فلمّا انصرف أومأ إلينا بيده فجلسنا فقال : " إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ آمُرَكُمْ أَنْ تَتَّقُوا اللهَ وَ تَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا " ثمّ أتى النّساء فقال : " إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ آمُرَكُنَّ أَنْ تَتَّقِينَ اللهَ وَ تَقُلْنَ قَوْلاً سَدِيدًا " ، فأمر الله الرّجال و النّساء أن يعبدوه عبادة صادقة كأنّهم يرونه ، فعليهم أن يخشوه و يرجوه و لا يخالفونه ، و أن يقولوا الصّدق و يقبلوا الحقّ فإنّه تعالى يصلح لهم أعمالهم و يحسّن لهم شؤونهم و يغفر لهم ذنوبهم ، فبطاعته و طاعة رسوله – صلّى الله عليه و سلّم – يفوزون فوزا عظيما أي ينالون الفلاح و المغفرة و الرّحمة في الآخرة ، و في الدّنيا يفوزون بالأمن و الاستقرار و بالخير الكثير و النّصر المبين و الفتح الكبير . فكلّ من يتّق الله يعزّه الله في الدّنيا و الآخرة و يحبّه و يدافع عنه ، قال الله تعالى في الآيتين 4 و 7 من سورة التّوبة : " إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ " ، و قال الله تعالى في الآية 38 من سورة الحجّ : " إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ " ، و أخرج الإمام أبو نعيم في الحلية عن عليّ – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله - صلّى الله عليه و سلّم - : " مَنِ اتَّقَى اللهَ أَهَابَ اللهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ ، وَ مَنْ لَمْ يَتَّقِ اللهَ أَهَابَهُ اللهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ " ، و روى ابن النّجّار عن ابن عبّاس – رضي الله عنهما – عن رسول الله – صلّى الله عليه و سلّم – قال : " مَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ كُلَّ شَيْءٍ " .
إنّ الله تعالى وعد عباده الذين أطاعوه حقّ طاعته و عملوا بتعاليمه و استثمروا في الصّالحات و فعل الخيرات أن يجعل لهم مخرجا و يمكّنهم في الأرض و يرزقهم الأمن و الطمأنينة و لا يخذلهم أبدا ، و قد وعد من قبل رسله صلوات الله و سلامه عليهم بالنّصر و التّمكين فوفّى عهده و تحقّق وعده و أنجز لهم مبتغاهم و نصرهم على عدوّهم ، و القرآن يشهد على ذلك كيف مكّنهم ربّهم تعالى بعدما صبروا و عملوا الصّالحات ، و هذا نبيّنا و سيّدنا محمّد – صلّى الله عليه و سلّم – الذي قدّره ربّه تعالى و حقّق له وعده ، ففتح له مكّة و خيبر ( المدينة ) و البحرين و كلّ جزيرة العرب و أرض الشّام و اليمن ، قال الله تعالى في الآية 55 من سورة النّور : " وَعَدَ اللهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي اِرْتَضَى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمُ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " . و جاء في تفسير ابن كثير و غيره عن أبي العالية أنّه قال في هذه الآية : كان النّبيّ – صلّى الله عليه و سلّم – و أصحابه بمكّة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده ، و عبادته وحده لا شريك له سرّا و هم خائفون لا يُؤمَرون بالقتال حتّى أُمِروا بعد الهجرة إلى المدينة ، فقدِموا المدينةَ ، فأمرهم الله بالقتال ، فكانوا بها خائفين يُمسون في السّلاح و يُصبِحون في السّلاح فغبروا بذلك ما شاء الله . ثمّ إنّ رجلا من أصحابه قال : يا رسول الله أبدَ الدّهر نحن خائفون هكذا ؟ أما يأتي علينا يوم نَأمَن فيه و نضع عنّا السّلاح ؟ فقال رسول الله – صلّى الله عليه و سلّم - : " لَنْ تَغِيرُوا إلاَّ يَسِيرًا حَتَّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي المَلَإِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَتْ فِيهِ حَدِيدَةٌ " و أنزل الله هذه الآية فأظهر الله تعالى نبيّه – صلّى الله عليه و سلّم – على جزيرة العرب ، فأَمِنُوا و وضعوا السّلاح . فنلاحظ أنّ عنصر الصّبر ضروريّ ، كما أنّ الإيمان بالله عزّ و جلّ و العمل بالصّالحات من الشّروط التي ينبغي أن تساعد على النّصر و التّمكين و الأمن ، كلّ من أراد أن يصل إلى مبتغاه و يتحرّر و ينهض لينجز و يعمل و ينافس الآخرين فعليه أن يتّقي ربّه تعالى فهو وحده تبارك و تعالى قادر على أن يرزق عباده الأمن و ينصرهم نصرا عزيزا إذا ما اتّقَوْه و عملوا الصّالحات لأنّه حكم على نفسه أنّه يستخلفهم في الأرض و يمكّنهم و يحفظ لهم كرامتهم و يحمي لهم دينهم و يبدّل خوفهم أمنا ، فعل النّاس أن يستجيبوا لربّهم عزّ و جلّ باستقامتهم و تقواهم و يقتدون برسول الله – صلّى الله عليه و سلّم – حتّى ينعمهم الله بالأمن و يفتح لهم فتحا مبينا و يرزقهم الحرّيّة الكاملة في الدّنيا و المغفرة و الرّحمة في الآخرة .
و لقد جعل الله تعالى الأتقياء المتواضعين من أحبّ النّاس إليه ، فهُم أئمة الهدى و مصابيح العلم الذين إذا أمرهم استجابوا له و خضعوا ، و إذا دعوه أعطاهم و أفاض عليهم فهو ناصرهم و حافظهم و منقذهم في الدّنيا و في الآخرة و هذا لاهتمامهم بمناجاة ربّهم و انشغالهم بذِكره و طاعته ليلا و نهارا ، و تراهم بين النّاس مهذّبين مؤدّبين لا يفتخرون و لا يجادلون فلا يُعرَفون إذا حضروا و لا يُفتقَدون إذا غابوا ، فهُم دائما الأعلون المصلحون المدافعون عن النّاس بعملهم النّظيف و دعائهم الشّريف . أخرج الإمام أبو نعيم في الحلية عن معاذ – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلّى الله عليه و سلّم - : " أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الأَتْقِيَاءُ الأَخْفِيَاءُ الذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا وَ إِذَا شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوا أُولَئِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَ مَصَابِيحُ الْعِلْمِ " .

ش.ع

تاريخ Aug 28, 2019