الحراك الإخباري - سيدي عبد الرحمان الطاهري... قربان العيد الفــــــــرنسي في 1931!
إعلان
إعلان

سيدي عبد الرحمان الطاهري... قربان العيد الفــــــــرنسي في 1931!

منذ شهر|دين


تأسست الزاوية الطاهرية بمدينة مسعد، وسميت باسم مؤسسها الشيخ الطاهر بن محمد سنة 1832 تقريبا، بعد تلقيه العــــلم وأصول الدين والفقه والحديث في الزاوية العثمانية بطولقة، والزاوية المختارية بأولاد جلال، وأذن مشيخة الزاويتين لـه، فركزها على تعليم القرآن والمحافظة على الأخلاق والتفقه في الدين، ثم واصل سيره في طريق السنة، واستمر داعـــــيا الجمع الغفير للتعليم حتى توفي سنة 1891م، ثم خلفه عليها أخوه الشيخ سيدي يوسف وكان سي عبد الرحمان بن الطاهــر معينه في شوؤن الزاوية، وفي هذه الأثناء ذهب سي عبد الرحمان في زيارة عدة زوايا عبر مختلف قــــطـر الوطــــــــني وبالأخص التي تتبع الطريقة الرحمانية، وواصل سيدي يوسف عمله فازدهرت الزاوية بحفاظ القرآن وتخرج منــــــــها جماعات واهتدى بهديه خلق كثير، ليكمل المسيرة.

كانت الزاوية آنذاك لها مقرّان صيفا وشتاء حسب الـــــــــظروف المواتية، وكانت مأوى للمستضعفين واليتامى والأرامل والعجزة والمساكين، ولا يدخر شيئا يضن به عن المحتاجــين من هدايا وهبات وتبرعات المحسنين، وكل ذلك ينفق على الطلبة والقاصدين والمقيمين، ولم يأل جهدا في النصح والصـــلح بين المسلمين، واستمر في جهاده حتى أتاه اليقين سنة 1917م، لتولى شؤون الزاوية بعده سي عبد الرحمان بن الطاهــر.

 نبذة عن حياة سي عبد الرحمان بن الطاهر

هو الشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن علي بن قويدر النائلي من عرش أولاد الأعور فرقة النعايم، وأمه صالـــحي سلمى بنت الصالح من نفس الرفقة :

    ولد سنة 1874م بالمنطقة المسماة ضاية زخروفة حوالي 50كم شرق مدينة مسعد، وقد عاش وترعرع في كنف أبيه وعميه الشيخان سي يوسف وسي الطاهر فهو من العائلة الطاهرية صاحبة الزاوية المشهورة في ولاية الجلفة، والكثير من الناس ينسبونه إلى عمه بقولهم " سي عبد الرحمن بن سيدي الطاهر"، والحق غير ذلك، فالشيخ سي الطاهر لم يخلف، ولكن هو الأكبر في إخوته، وهو من أسس الزاوية الطاهرية، ونظرا لقدره ومكانته نسبت ذرية أخويه إليه، وهو ما يعرف بالعائلة الطاهرية التي تحمل اسمه إلى اليوم وهي عائلة كبيرة وعريقة.

    أما عن طفولته ونشأته فقد تربى في البيت الكبير مع أعمامه وكانت الزاوية آنذاك تحفظ القرآن الكريم وتدرس الفــقه واللغة العربية خاصة وأن الجزائر كانت في تلك الفترة ترزح تحت وطأة الاستدمار الفرنسي الذي أراد أن يطمس الهوية الإسلامية والعربية بأن يجعلها مقاطعة فرنسية لأجل ذلك وجدت الزوايا لتلعب هذا الدور الرائد.

تعلّم التصوف من شيخه سي محاد بن بلقاسم ليعود بعد ذلك إلى الديار، وإن لم يكن لعائلته آنذاك منزل تستقر به وإنما كانت الزاوية تنتقل في رحلتي الشتاء والصيف بين الصحراء والتل.

وكانت له مساجلات ومناظرات مع بعض العلماء والمشائخ خاصة في تقرت ونواحــيها.

 تزوج الشيخ سي عبد الرحمن أكثر من زوجة وأنجبن له ذرية وله عائلة كبيرة الجذور اليوم، ولعل أشهر أبنائه الشيخ المسعود والشيخ سي عمر والشيخ سي عثمان والشيخ سي بوبكر والشيخ سي محمد رحمهم الله جميعا.

مراسلات السنوسي والخطابي لإعلان الجهاد

    مما اشتهر به الشيخ سي عبد الرحمن هو رفضه المطلق للمستعمر في الجزائر وفي غيرها من البلدان الإسلامية وكان له باع وكفاح طويل امتد طول حياته واختتمها بالشهادة في سبيل الله لأجل هذا الهدف، حيث في مطــــــلع القرن العشرين قام بمراسلة الملك الشيخ السنوسي في ليبيا يدعوه إلى الجهاد والنهوض من أجل توحيد القوى لطرد المستعمر من بلاد المغرب العربي وأرسل الرسالة مع سي المبروك بن هبال من رفقة أولاد لخضر الذي سلم الرسالة شخصـيا للشيخ السنوسي وقام بالرد عليه بأن الوقت لم يحن بعد، وهاته الرسالة كانت موجودة عند الشيخ سي محــــــمد الطيب في مكتبته بواد الجدي إلى غاية سنة 1956م حيث وقعت للشيخ مشاكل مع فرنسا لتأييده للثورة ولجيش التحرير فأحرقت مكتبته وفيها الرسالة، ثم راسل الشيخ سي عبد الرحمن أيضا الشيخ المجاهد والمقاوم عبد الكريم الخطابي بالمغرب يدعوه لما دعا إليه الشيخ السنوسي في سنة 1914م وغداة اندلاع الحرب العالمية الأولى قامت فرنسا بالتجنيد الإجباري للجزائريين وذلك لإشــــــراكهم في الحرب كما قامت بفرض ضرائب مجحفة عليهم، فكان الشيخ سي عبد الرحمن من الأوائل الذين عــــارضوا هــذه السياسة ودعا إلى محاربة فرنسا وطردها، وبسبب هذا الموقف من فرنسا سجن في الجلفة ثم فرضت عليه الإقامـــــة الجبرية في نفس المكان وعفي عنه لكنه بقي في سياسته المناهضة لفرنسا فسجن ببسكرة ثم الجزائر وأطلق سراحه ولما استمر على موقفه نفي إلى المغرب سنة 1916م وبالضبط في مدينة فاس وكانت له هناك قصص ومآثر.

    ثم عاد سنة 1918م إلى الجزائر لكنه لم يجد عمه سي يوسف الذي توفي سنة 1917م ليتولى هو شؤون الزاوية وكان له قبل ذلك فرع زاوية في "المكيمن" قرب مدينة مسعد، وله أيضا في الصحراء مساكن مثل بريش والقويسي والقاعو وغيرها، ثم سجن في الأغواط وأطلق سراحه، ولما كثر استفزازه للفرنسيين في تلك المنطقة لما كانت لديه فرقة مسلحة تجوب الصحراء حيث اشتبك سنة 1923م مع قافلة فرنسية بمنطقة "طزيوة" نواحي مدينة تقرت حيث قتل أحد الجنود الفرنسيين و تعرض للمطاردة وصار مطلوبا لدى فرنسا وهدمت منازله الموجودة في الصحراء انتقاما منه، وألقي عليه القبض في تقرت مرة أخرى لكن أطلق سراحه حيث كفله أحد أعيان المنطقة، وللمرة الأخيرة ألقي عليه القبض سنــة 1930م وحــــكم عليه بالإعـــــدام يوم 14 جويلية 1931م ليقدم كقربان بمنـــــاسبة العيد الوطـــــــــني الفــــــــرنسي.

كان الشيخ سي عبد الرحمن زاهدا تقيا ورعا ورجلا شجاعا شهما وسخيا كريما وهذا ما جعله معروفا بالمنطقة وله أنصار وإخوان من كل القبائل فقد كسب القلوب بما يملكه من أخلاق ولعل الشهرة التي يحظى بها إلى غاية الــــــيوم لهي خير دليل على ذلك، وفي الجانب الآخر فقد كان أديبا وشاعرا وله قصائد عدة سواء في الشعر الفصيح أو الشــــــعر الشعبي (الملحون) وقصائده موجودة إلى اليوم وضاع منها الكثير، وفي شعره تكلم عن جميع نواحي الحياة، فتارة يصف الناس وتارة يصف الطبيعة والبلدان وتارة يتكلم عن الدهر وتقلباته، وتارة يقول قصائد في الزهد والحــــــــث على الذكر وغيرها من المجالات.

    عرف الشيخ سي عبد الرحمن بإتباعه للحق ومجانبته للباطل وكان لا يخش في قول الحق لومة لائم، ولم يكن مبتدعا بل كان صوفيا يتبع الشريعة والحقيقة ويرفض المنتسبين لهذا الطريق من الرعاع المبتدعة الذين ألصقوا الشبه بهذا العلم، ولعل أبرز ما يدل على ذلك قصة شهيرة تروى عنه أنه كان يسير مع مجموعة رفقائه فقصدوا شيخ إحدى الــزوايا الذي أخذ الإذن بإقامة الزاوية دون أن تكون له مؤهلات تسمح له بذلك، و صلى بهم هذا الشيخ المغرب والعشاء ســــرا! فهذا الأمر أثار غضب الشيخ سي عبد الرحمن وذهب إلى مشائخ الزاوية التي أعطت الإذن لذلك الشيخ وعاتبهم عـــــلى ذلك وقال لهم بأن ذلك عبث بالدين وتحريف للطريق الصحيح .


 الشيخ المختار يتولى شؤون الزاوية

بعده تولى شؤون الزاوية الشيخ المختار الذي عرف بالكرم والزهد والبذل والقيام بما كان سلفه به قائم، وعـــــــــاش في زمن قاس وأزمة حادة وسنين طويلة عجاف، ومع ذلك لم توهن عزيمته في الخير ولا استكانت لضرر وضير، ولا اشتكى أو وهنت همته للغير، وتخرج من عنده حفظة القران، وكان يكرمهم ويحثهم على الطاعة والاستقامة حتى تـــوفي سنة 1951م ،فخلفه على الزاوية الشيخ محمد الطيب الذي كان فقيها حليما وزاهدا حكيما وسار على نهج سلفه حتى توفى سنة 1969م، فجاء بعده أخوه الشيخ سيدي بلخير بمساعدة أخيه وقرينه الشيخ بلقاسم فعاشا متعاونين متصادقين عــــــلى الاستقامة والمحافظة على تراث الأب والعم، فقاما أحسن قيام حتى توفي الشيخ بلقاسم سنة 1975م، وبقى الشيخ بلخيـــــر مسؤولا على الزاوية والقيام بطلبتها وشؤونها وضيوفها والقاصدين لها حتى توفى سنة 1982م، فخلفه ابنه الشاب ســـي المختار بمؤازرة ابن عمه سي عبد العزيز، كما كان أبواهما متآزرين متعاونين، ويساعدهما على الطلبة سي عبــــــــــد الرحمان بن سي بلخير، وتلقتهم متاعب ومصاعب واستهدفوا في حياتهم كم من مرة ،ولكن رعاية الله احاطت بهـــــــــم وحفتهم عنايته، فهم سائرون وبحفظ الله محاطون معافون. ق/و

تاريخ Jan 3, 2021