الحراك الإخباري - محمد بن أبي جمعة الوهراني...عالم القراءات والكلام والشعر في المغرب الأوسط
إعلان
إعلان

محمد بن أبي جمعة الوهراني...عالم القراءات والكلام والشعر في المغرب الأوسط

منذ 4 أشهر|دين


في رحلتنا التاريخية مع أعلام الجزائر تستوقفنا في حلقة اليوم شخصية محمد بن بُوَجْمَعة المغراويّ الوَهْرانيّ الفَاسي، عرف بشقرون، فاسمه محمد وكنيته أبو عبد الله، وأحمد اسم أبيه وقد كان من أعلام وقته. وبوجمعة اسم جده، ولا يزال هذا الاسم جارياً في المغرب الأوسط إلى الآن. ولقب "شقرون" لأنه كان أشقر اللون، ومما يذكر من صفاته الخَلْقِيّة أنه كان أحمر العينين جهير الصوت.

و"المغراوي" نسبة إلى مغراوة وهي قبيلة من زناته، إحدى القبائل الكبار من برابرة المغرب، ومجالات زناته هي الجهة الغربية من المغرب الأوسط، ومنه يفهم نسبته إلى وهران المدينة المعروفة، فإنها تقع في مجالات مغراوة، والفاسي نسبة إلى فاس لأنه توفي بها.

لم يذكر أحد من المترجمين للشيخ شقرون تاريخ ولادته، والأرجح أنه مولود في عام (879هـ).وأما مكان ولادته فالظاهر أنه وهران لأنه منتسب إليها.

حياته العلمية:

لم تذكر كتب التراجم سوى شيخين أخذ عنهما شقرون الوهراني، ولكننا نجزم أن له شيوخاً غيرهما، لأن مدينة فاس كانت عامرة بالعلماء فيبعد أن يكون شقرون الوهراني رضي بشيخين ولازمهما وانقطع عمن سواهما. لكن لا نعلم على التعيين إلا ثلاثة منهم. ونزيد عليهم رابعاً نفترض أن يكون من شيوخه:

(1) أحمد بن أبي جمعة المغراوي أبو العباس:

هو والد صاحب الترجمة، كان أحد أعلام وقته، وكان من أهل الفتوى، فلقد بعث إليه أهل الأندلس، بعد سطوة النصارى عليهم، يسألونه عن إخفاء الإسلام والتظاهر بالنصرانية خوفاً من بطش النصارى فأجابهم بما يقر هذا الصنيع. ونجزم أن شقرون أخذ عن أبيه، مع أن كتب التراجم لم تذكر أباه في شيوخه، ويدل على هذا ما ورد في «مختصر رحلة البلوي»، أن شقرون حفظ عن أبيه خطبة عياض التي فيها ذكر سور القرآن. قال شقرون: «ومن لفظه حفظتها وكان حفظها الوالد من خطيب كان عندهم بوهران».

وأخذ أحمد بن أبي جمعة عن أعلام منهما الشيخ غانم بن يوسف الغمري، وله «جامع جوامع الاختصار والتبيان فيما يعرض بين المعلمين وآباء الصبيان». توفي في العشرة الثالثة بعد المائة التاسعة.

(2) أبو عبد الله محمد بن غازي العثماني:

أشهر مشاهير وقته في فاس حاضرة العلم بالمغرب الإسلامي آنئذ. قال فيه ابن القاضي: «الفقيه المشارك المتفنن ذو التآليف الحسنة والأحوال المستحسنة»، أخذ عن أعلام منهم أبو زيد الكاواني، وأبو العباس المزدغي والإمام القوري وأبو العباس الحباك وأبو عبد الله السراج وابن مرزوق الكفيف وعنه أحمد الدقون وعلي بن هارون، وعبد الواحد الونشريسي، وعبد الرحمن القصري الفاسي، والشيخ شقرون الفاسي وله تآليف منها: «المسائل الحسان المرفوعة إلى خبر فاس والجزائر وتلمسان» و«شفاء الغليل في حل مقفل خليل» توفي رحمه الله عام .

(3) أحمد بن محمد بن يوسف الصنهاجي الشهير بالدقون:

قال فيه ابن القاضي: «الخطيب الأستاذ المحدث الراوية». أخذ عن الإمام المواق والإمام محمد بن غازي. وأخذ عنه أبو القاسم بن محمد بن إبراهيم وأبو عبد الله بن أبي الشريف، والمترجم له وأجازه.

 (4) اكتفى أصحاب التراجم في كتبهم عند الترجمة لشقرون بذكر مجالسته للشيخين: ابن غازي وأحمد الدقون، وأغفلوا استقصاء سائر شيوخه، لعلهم أرادوا حين أضربوا عن ذكر جميع شيوخه الاستغناء عن ذلك بذكر أشهرهم.

رحلته:

يغلب على الظن أن شقرون ولد بوهران وانتقل منها إلى فاس حيث استقر إلى أن وافته المنية، ويبدو أن انتقاله إليها كان مع أبيه. وسبب سفره عن وهران بدء غارات الأسبان عليها، ويرجح أن يكون السفر المذكور حصل قبل احتلال المرسى عام 911هـ.

واختار آل شقرون مدينة فاس مكان هجرتهم دون سائر حواضر المغرب الإسلامي كتلمسان. لأن فاس على خلاف تلك المدن كانت تعرف استقراراً نسبياً، أما تلمسان فكان يتجاذبها في ذلك الوقت النصارى والعثمانيون ولم يكن واحد من الجنسين قادماً مرغوباً فيه الأمر الذي جعلها في تلك الفترة تعرف حروباً: تارة بين الزيانيين والأتراك وتارة أخرى بين الزيانيين والأسبان، لذلك كان كثير من أهلها ومن أهل وهران يهاجرون إلى فاس.

 تلاميذه:

حاز شقرون في وقته مكانة علمية مرموقة،و كان له في بعض فنون العلم قدم راسخ، فيبعد أن لا يكون له تلاميذ أخذوا عنه العلم. ورغم أن كتب التراجم والتاريخ التي ترجمت له، خالية من ذكر تلاميذه إلا ما وجدنا في كتاب «تاريخ الجزائر العام»، فإننا على يقين بأن له تلاميذ كثيرين.

ولم نعثر بعد طول التتبع إلا على واحد منهم هو: علي بن يحيى الجاديري السلكيني التلمساني (972هـ). جاء في تاريخ الجزائر العام للشيخ عبد الرحمن الجيلاني: «كان رحمه الله محققاً ذا دراية فائقة في علوم الحساب والفرائض وعلم الكلام والفقه وفن الرسم وضبط القرآن وتفسيره أخذ عن جماعة منهم الشيخ أحمد بن ملوكة الندرومي وشقرون أبي جمعة ومحمد بن موسى الوجديجي...».

وشقرون هو محمد بن أحمد لأن من ذكر من العلماء الذين أخذ عنهم علي بن يحيى الجاديري هم من طبقته بل إن فيهم واحداً من الذين واطؤوه على فتواه في صحة تقليد العوام، وهو أحمد بن ملوكة. وقول عبد الرحمن الجيلالي: «شقرون أبي جمعة» سقط منه كلمة ابن وصوابه «شقرون بن أبي جمعة» لأن شقرون الوهراني كان مشهوراً أيضاً بابن أبي جمعة.

 آثاره:

برع شقرون الوهراني في القراءات وعلم الكلام وله شعر. وألف في هذه العلوم مصنفات جلها موجود في خزانات المخطوطات. وكتبه هي:

1ـ تقريب النافع في الطرق العشر لنافع: وهو عبارة عن نظم في القراءات بيّن فيه طرق نافع العشر ووجوه الاختلاف بينها، وتوجد نسخة كاملة مخطوطة لهذا النظم بالمكتبة الوطنية الفرنسية، في قسم المخطوطات العربية، تحت رقم: 4532.

2 ـ تقييد على مورد الظمآن: وهو عبارة عن فوائد قيّدها مما تلقّاه عن شيوخه بفاس، من تقاريرهم على «مورد الظمآن».

وتوجد نسخة مخطوطة من هذا الكتاب بالخزانة الحسنية بالمغرب الأقصى ضمن مجموع تحت رقم: 74/6.

3 ـ الجيش الكمين لقتال من يكفر عامة المسلمين: وهو عن كتاب لطيف كتبه في الجواب عن سؤال في تقليد العوام في العقائد هل يصح ذلك منهم أم لا؟ وتوجد نسخة مخطوطة من هذا الكتاب بالمكتبة الوطنية الجزائرية في قسم المخطوطات تحت رقم: 2301. وتوجد نسخة أخرى منه في المغرب الأقصى بخزانة القرويين تحت رقم: 7/1515.

4 ـ قصيدة طويلة في رثاء ابن غازي: وهي قصيدة وصفت بالمشهورة والعظيمة والطويلة، قالها في رثاء شيخه ابن غازي .

وتوجد نسخة مخطوطة من هذه القصيدة في المغرب بدار الكتب الناصرية بتمكروت تحت رقم: 2088.

5 ـ وقد وجدت أبياتاً منعزلة في الورقات الأخيرة من مخطوط بالمكتبة الوطنية الجزائرية نسبت إلى شقرون صاحب «الجيش الكمين». ورقم المخطوط المذكور: 212.

هذا ما عثرت عليه من كتبه وآثاره الموجودة،وله آثار أخرى لكنها في حكم المفقود. وهي:
6 ـ فهرست: وهو مصنف ذكر فيه شيوخه وما رواه عنهم من فنون العلم. وهذا الفهرست حافل بذكر الشيوخ دال على كثرة مجالسته للعلماء، لأن أهل التراجم قالوا عن هذا الفهرست إنه يقع في جزء لطيف.

7 ـ المنظومة الشقرونية: لا نعرف عن موضوع هذه المنظومة الموسومة بالشقرونية سوى أنها في المأكولات والمشروبات، وقد يكون الكلام فيها عما في كل طعام أو شراب من خصائص ومنافع.

هذه ما علمت من كتبه الموجودة والمفقودة. وقد يكون له كتب غيرها.
 مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
إذا نظرنا إلى الألقاب التي أثنى بها العلماء على شقرون الوهراني، بدا لنا أنه كان جليل القدر، ذا قدم راسخ في فنون العلم عقليها ونقليها مرجوعاً إليه في المسائل المشكلات. ويظهر من تتبع الألقاب التي أطلقها عليه المترجمون، ومن تقصي ما ترك من آثار أنه برز في علم القراءات وعلم الكلام ونظم الشعر.

فالمترجمون يصفونه بالمقرئ الحافظ الضابط المتكلم. قال فيه التنبكتي: «الأستاذ المتكلم المقرئ الحافظ الضابط». وقال فيه ابن محمد مخلوف: «الأستاذ المتكلم القدوة المقرئ العالم العمدة». وقال فيه محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني: «الشيخ الفقيه العالم العلامة الأستاذ المقرئ المتكلم الحافظ المطلع المحقق المشارك».

ويدل على ضلوعه في الكلام كتابه «الجيش الكمين»، فإنه أجاب فيه عن سؤال في التقليد إجابة ذكر فيها ما للعلماء من أقوال وما لكل واحد منهم من الأدلة، بتحرير جمع فيه بين أدلة أصول الفقه وأدلة علم الكلام، ويدل على ضلوعه في القراءات أنه نظم الطرق العشر ولم يجاوز بعدُ العشرين من عمره. ويدل على ضلوعه في اللغة والشعر المنظومات التي نظمها. ونخص بالذكر منها قصيدته في رثاء شيخه ابن غازي فقد وصفها محمد بن جعفر الكتاني بأنها عظيمة.

وفاته:
توفي شقرون الوهراني عام (929 هـ). جزم بهذا التاريخ ابن مريم التلمساني، وابن محمد مخلوف، وعبد الحي الكتاني.

وقال ابن القاضي، ومحمد بن جعفر الكتاني: توفي قرب الثلاثين. ومكان وفاته مدينة فاس ذكره عبد الحي الكتاني.

بتصرف عن الباحث يوسف عدّار

تاريخ May 17, 2021