إعلان
إعلان

صدر حديثا عن دار الفكر السورية كتاب " العلوم الاجتماعية و حوار الحضارات"، للباحث المتخصص الدكتور عبد القادر عرابي.

منذ شهر واحد|قراءة في كتاب

يعتبر الكتاب الجديد، أحد أهم الكتب التي تتناول موضوع دوّر الحوار في مجال العلوم الاجتماعية. وقد حاول المؤلف، وهو خبير معروف في هذا المجال، تحديد مفهوم، وأنواع، وشروط، وأخلاقيات، وعوائق الحوار، داعيا الى نبذ خطاب الاستشراق والكراهية، وقيام خطاب جديد في العلوم الاجتماعية يعمق التواصل والتفاهم بين الحضارات.


وقال الباحث في مقدمة عمله إنه لم يكتب في دور العلوم الاجتماعية في حوار الحضارات، وتحديداً في العلاقة بين العرب والغرب، ونظرة كلٍّ منهما إلى الآخر، حيث ظلَّ هذا الموضوع مهملاً، أو منسياً على المستوى العربي، بالرغم من أهميته للتفاهم والحوار الحضاريَّين. ويعود ذلك، من منظور الكاتب، إلى تقصير علومنا الاجتماعية العربية، فهذه نفسها لا تتوفر لديها بعد رؤية لذاتها وموضوعها، فما بالك عن غيرها، علماً بأن فهم الـ(أنا) شرط لفهم الآخر.

أما على المستوى الأوربي، يضيف المؤلف، فقد كانت العلوم الاجتماعية الأوربية الكلاسيكية والحديثة تعبيراً عن هوية مجتمعها، ومطبوعة بطابعٍ قوميٍّ محلي خاص، وأوربي مسيحي وفلسفي عامّ، وتحمل في طياتها عموماً نظرة سلبية للعرب المسلمين، ورثتها عن الحروب الصليبية والاستشراق والأنثروبولوجيا، وعن التاريخ الإشكالي والاستعماري المتأزم بين العرب والغرب، باعتبار "التاريخ معمل حي للعلوم الاجتماعية". وقد ترسخت هذه النظرة في العقل الباطني والجمعي، فأصبحت لا عقلانية ونمطية، تتوارثها الأجيال كمسلَّمات. وتقوم هذه الرؤية على تفوق الغرب على العرب، دينياً (الاستشراق، وماكس فيبر)، أو عرقياً (دارون)، أو اقتصادياً (ماركس ونظرية الإنتاج الآسيوي)، وحضارياً (هنتنغتون).

وأوضح عرابي أن تلك النظرة تعززت من خلال الأدب الشعبي، الذي يغذِّي الذاكرة الشعبية، كما في رواية الألماني( (Karl May،"عبر للصحراء"، وغيرها، المفعمة بالمزاعم والصُّور النمطية؛ إذ وصف العرب بأنهم أشرار، وقد غذَّى هذا الأدب الشعبي الكراهية الأوربية ضد العرب.


ولذلك يؤكد عرابي أنّ"العلاقات بين الثقافات غالباً ما تكون منسوجةً من خيوط الوجدان المتخيل". وقد استمرت هذه النظرة من خلال معاهد الاستشراق حتى اليوم، فهذه تتوارثها، لا تعدّلها. ذلك أنها تدرس العرب كحالة أنثروبولوجية خاصة، خارج السياق التاريخي والاجتماعي، لا كمجتمعات في صيرورة دائمة. وقد تحوَّلت هذه النظرة إلى وصمة ثقافية، تَسِمُ العرب بالعنف واللاعقلانية. 

ويقول المؤلف إنّ الإسلام متهم اليوم تحت ذريعة الإرهاب، حيث يخوض الاستعمار الجديد بزعامة أمريكا وروسيا حروبه ضد العرب. دول تُدمَّر، وحضارات تُنتهَك، كما في سورية والعراق. هذا هو "جنون الإرهاب". جنون الإرهاب رخصة لقتل الآخر ونفيه. وهذا ما عبَّر عنه عالم الاجتماع الأمريكي ولرشتاين (ImmanuellWallerstein) بقوله: "إن علاقة الغرب الإسلام تتسم ببعض العناصر الخاصة، ينتج عنها تشويه للإسلام، يفوق المعتاد حقاً". أما لورنس "فيرى أن السبب الرئيسي للنظرة السلبية للإسلام هو الهيمنة في التفكير الشعبي.. بأن الإسلام يتسم بالعنف".

ويضيف الكاتب في المقدمة أنّ هذه الحرب الثقافية الباردة دائماً، والساخنة أحياناً، التي تستخدم "اللغة المتوحشة"، على حدِّ تعبير غلومر، "تهدف إلى الاستلاء على عقول البشر وصناعة التفكير". ذلك أنّ لدى الغرب عدو جاهز: هو العرب، فما إن انهار الاتحاد السوفييتي، حتى أحضر العدو من الصندوق الأسود "ذهب الخطر الأحمر، لكن ها هنا الإسلام الخطر الأخضر حلَّ مكان الأحمر"، هذا الخطر المزعوم، والمحفور بلغة الكراهية في الذاكرة الأوربية، لم يعد مقصوراً على النظرة السلبية الأوربية، بل أخذ شكلاً عدوانياً أمريكياً، فالدراسات الأمريكية عن العرب تسويغ ودعوة للحرب، كما في "صراع الحضارات" (هنتنغتون)، و"نهاية التاريخ" (فوكويوما).


ولهذا يقول الكاتب أنّ العالم يتغير ، ولا تتغير نظرة الغرب للعرب. العرب هم الآخر، الإرهابي. هذا هو الثابت لأنّ أدوات التصنيف جاهزة: الإرهاب، التخلُّف، الركود، وخارج التاريخ، مجتمعات عصية على الحوار العقلاني، لا تفهم سوى لغة العنف. هذه النظرة، أو الإسلام فوبيا رسختها فلسفة التنوير الأوربية والعلوم الاجتماعية الحديثة.

لم يتصالح العرب والغرب مع التاريخ، ولا مع ذاتهم، وإلّا فلا توجد عداوات أزلية.

هذا الموضوع الهامّ تناوله عبد القادر عرابي من خلال دراسة صورة العرب في العلوم الاجتماعية الأوربية في المحطات التاريخية المختلفة، كما تناول الفرق بين الفكر الاجتماعي الأوربي والأمريكي. فإذا كانت العلوم الاجتماعية الأوربية تمارس الكراهية السلبية ضدّ العرب، فإن الفكر السياسي الأمريكي المعاصر فكر استراتيجي. العلوم الاجتماعية الأوربية تزرع الكراهية، أما الأمريكية فتصنع الحروب.

دراسات برنارد لويس، المستشرق الأمريكي، تدرّس في الكليات العسكرية الأمريكية إبّان غزو العراق. أما دراسات هنتنغتون فتوجه السياسة الخارجية الأمريكية والعالمية. هذا الدور الفعّال للفكر في صناعة الحوار والصراع والعقول، ساد في المراحل التاريخية السابقة. فالسلام والحرب، يبدآن بالعقول، "لأن الحرب تبدأ في أذهان الرجال، فإن أجهزة الدفاع عن السلام ينبغي أن تُبنى في أذهان أكثر الرجال نفوذاً في صنع القرارات المؤيدة أو المناهضة للحرب". وبما أن الحوار لا يكون إلَّا بين طرفين: أنا والآخر، فإنّ الكاتب سيحدد فصلاً لمحاكمة ما يسمى بالعلوم الاجتماعية العربية، وماذا قدمت؟ ولماذا تأخرت؟ وما المطلوب منها؟ وكيف يمكن أن تُحاوِر؟ ثم أين مسؤولية هذه العلوم والعاملين فيها؟ وإذا كان "علم الاجتماع يعيّن على فهم المصائر وجلاء البصائر" ، كما نقرأ في مقدمة "الحداثة السائلة" لباومان، فكيف يمكن أن تساهم العلوم الاجتماعية في فهم بعضنا لبعض، وبناء المصير المشترك؟.

لقد آن الأوان، يؤكد عرابي، ليتصالح العرب والغرب مع التاريخ، ويخلّصوا العلوم الإنسانية من عبث الدراسات الاستراتيجية السياسية ذات النزعة الصراعية، ومن القفص الحديدي للعصور الوسطى، وألَّا ينظر الغرب إلى الزمن العربي على أنه الزمن الثابت، بل زمن كغيره مندفع إلى الأمان في عصر تحولت فيه إيكولوجيا الزمن العالمي

تاريخ Aug 23, 2019