الحراك الإخباري - صاحبها حائز على جائزة نوبل للآداب 2019: رواية "حزن غير محتمل"
إعلان
إعلان

صاحبها حائز على جائزة نوبل للآداب 2019: رواية "حزن غير محتمل"

منذ 6 أشهر|قراءة في كتاب


صدرت حديثا ترجمة الرواية العالمية "حزن غير محتمل" لكاتبها المسرحي النمساوي بيتر هاندكه، عن دار العربي للنشر والتوزيع بالقاهرة.
والرواية هي نعي طويل لوالدة المؤلف، وفيها يبدأ "هاندكه" حكاية قصتها منذ البداية؛ منذ أن كانت طفلة صغيرة تعيش في الريف تحت سيطرة أبيها، إلى امرأة ناضجة هاجرت إلى المدينة لتنطلق وتعيش حرية جديدة عليها. امرأة قوية الشخصية لكنها مع نهاية أيامها تبدأ بالانهيار.. وتكتب إلى ابنها محاولة أن تجد طريقة للعودة إلى ما كانت عليه.. فهل تنجح في هذا؟
وتحكي الرواية عن محنة إنسانةٍ عاديةٍ لأمّ قضت حياتها القصيرة - قبل انتحارها في الواحد والخمسين من عمرها - في تأمين الكفاف الضروري لحياتها وحياة أطفالها، وجربت من شقاء الحياة اليومية في بيئتها الضنينة الفقيرة، وفي ظروف الحرب والسنوات القليلة التي أعقبتها مثل ما جربته وتجربه الآلاف بل الملايين من أمثالها من بنات وأولاد طبقة العمال والفلاحين الكادحة.
مرت على الكاتب ستة أسابيع منذ أن نُشِر خبر انتحار أمه في إحدى الجرائد اليومية في بلدته "كرتنر"، ومنذ أن شارك في طقوس دفنها وشعر في ذلك اليوم العصيب بالحاجة الشديدة للكتابة عن أمه كما شعر في الوقت نفسه بالعجز عن البدء في الكتابة إلى حدِّ الفزع والتبلد والشرود والاندهاش، وهو يستطرد في البداية في وصف الأحوال النفسية التي انتابته، والتوتر العصبي الذي جعل الصمت والجمود والتعجب يخيمون على روحه وجسده، كما جعله لا يطيق أن يشاركه أحدٌ في سره الغامض الخاص عن موت أمه وحياتها، حتى ولو كانت هذه المشاركة بنظرةٍ أو بكلمةٍ يحاول بها صاحبها أن يهتك الستار عن شعورٍ غير مفهومٍ لا يمكنه أن يطلِع عليه أحدًا. بيد أن لحظات العجز اللغوي لا تبرح تهاجمه وتفاجئه، ومع لحظات العجز تلح عليه الحاجة والضرورة الطاغية للتعبير عن هذا العجز، وهي، كما يقول، دوافع الكتابة نفسها منذ قديم الأزل.
هكذا، تراود المؤلف مع السطور الأولى من قصته تلك الهواجس اللغوية التي دارت حولها مسرحيته "كاسبار" عن علاقة التطابق المزعومة بين اللغة وبين الواقع الظاهر والباطن، كما عرضها "فتجنشتين" في المرحلة الأولى من تطوره الفلسفي في رسالته المنطقية والفلسفية الشهيرة عندما أكد أن العبارة هي صورةٌ منطقيةٌ للواقعة، كما يعاوده ذلك الدافع الحداثي الذي سبق أن أشرنا إليه، وهو تلازم الكتابة والتأمل الطويل في فعل الكتابة نفسه، فهو في الصفحات الأولى يقرر أن البدء في الكتابة قد جعل حالات الفزع والعجز والرهبة والتبلُّد التي داهمته بعد وفاة أمه حالاتٍ بعيدةً ومنقضية. ما السبب في هذا؟ السبب أنه يحاول أن يصف هذه التجارب والحالات الباطنة بدقةٍ قدر الإمكان. ولكنَّ المشكلة تكمن في طبيعة هذا الوصف ومدى مطابقته للتجربة وعدم تشويهها بلغةٍ أدبيةٍ تشير في الغالب إلى نفسها أكثر مما تشير إلى التجربة الحية المباشرة نفسها، ومع التأمل في طبيعة الوصف الملائم وكيفيته نجد التأمل أيضًا في العناصر الأخرى الضرورية للوصف، مثل تذكُّر شيءٍ مضى وانقضت تجربته له، والتخيلات الجديدة التي تطرأ على ذهنه أثناء الكتابة، ومحاولاته لملء فراغ الوعي المؤلم والفارغ بأحداثٍ ورؤى ووقائع وصور محددة، تكاد تكون مرئيةً ومسموعةً وملموسة، عن أمه وحياتها وحياته وذكرياته معها أو بعيدًا عنها. ومع ذلك فإنَّ الوصف، مهما أمعن في الدقة والتجديد، لا يبرأ أبدًا من مظنة البعد عن حقيقة ما يصنعه أو عن احتمال تحريفه وتشويهه باللغه وصيغها البلاغية التي يمكن أن تستقل بنفسها فتنسى الشخص أو الحدث الذي انطلقت منه.
الغريب أن هذه المخاوف تهاجم المؤلف حتى بعد أن يستغرق في قصته إلى الثلث الأول منها. إنها - على حد قوله - المخاوف من مجرد إعادة الحكي ثم التلاشي المؤلم للشخص المحكي عنه في الجمل البلاغية مما يترتب عليه البطء في الكتابة ولكي يقف مرة أخرى عند الحدود الفاصلة بين الواقع والكتابة، بين ما هو حقيقي وما هو تخيلي، ولكي يفكر في أنسب لغةٍ يمكن أن تملأ الفجوة الفظيعة التي تتسع بينهما أو تضيق. ثم تفاجئه المخاوف قبل نهاية القصة بقليلٍ، فيعترف بأن الكتابة لم تفده تمامًا، أي لم تخلصه من فزعه ومخاوفه وهواجسه اللغوية والفنية التي ظلت تلح عليه على الرغم من استغراقه في وصف ذكرياته وتسجيلها بمنتهى الدقة والحيادية الممكنة.
بعدها، يستطرد المؤلف في وصف مشاعر الخوف والفزع التي تجعله يستيقظ ليلًا بلا مقدماتٍ وكأنه يصحو على خبطٍ خفيفٍ داخله، أو كأنه يتعفن ثانيةً بثانيةٍ مبهور الأنفاس من الفزع. لكنه لا يلبث أن يتابع وصفه الدقيق لأحوال أمه في مراحل حياتها ومرضها المختلفة وفي عباراتٍ شاعريةٍ مكثفةٍ تتوالى بغير ترتيبٍ ولا نظام.

كان الوصف بالنسبة إليه مجرد عملية تذكُّر، وتسجيلُ هذه العملية من خلال الاقتراب من الصيغ اللغوية المناسبة قد استطاع أن يكسبه نوعًا من الشعور بالرضا عن حالات الخوف التي انتابته بحيث نتج عن متعة الفزع، متعة التذكر، وربما أمكننا أن نضيف إلى متعة التذكُّر والوصف الصادق الصريح للذكريات متعة الإحساس بأنه - كما سبق أن قال "كاسبار" في الفقرة 26، ص 38 من الترجمة العربية - قد سمى الشيء باسمه فلم يعد رهيبًا، وأن الشيء الذي لم يعد رهيبًا أصبح ملكًا له، وكل ما هو مِلْكٌ له فهو أليفٌ إليه، إلخ.. ومعنى هذا كله أن الرضا الذي استشعره الكاتب قرب النهاية قد صدر عن الإحساس الواثق بأنه حين قدم التفصيلات التي لا آخر لها عن طفولة أمه وعائلتها وبيئتها الفقيرة وزواجها التعس من رجلٍ خائبٍ وأولادها غير الشرعيين والشرعيين الذين ظلت تكافح طوال حياتها لتضمن لهم العيش على شفا الكفاف ثم مرضها الميؤوس من شفائه ومتعها القليلة البسيطة وحالات الدُّوَار والذهول التي أخذت تسيطر عليها إلى أن صممت على الانتحار ونفذته بعد أن كتبت لأهلها ولابنتها رسائل عاجلةً تحمل وصية دفنها. كل هذه التفاصيل التي لا حاجة بي لتكرارها حتى لا أفسد عليك متعة قراءة القصة ربما تكون قد أرضت المؤلف وأقنعته في النهاية بأن جهده لم يقتصر على كتابة قصةٍ أو تقديم طقسٍ أو عملٍ أدبي يُضاف إلى آلاف غيره، وإنما تجاوز ذلك إلى الوصف الصادق والتصوير الدقيق لتجارب مُباشِرةٍ كابدها في الباطن أو أدركها في الظاهر، وأفلح في أن يبعد اللغة التي هي الجسر الواصل بين العالمين - عن أن تستغرق في أحدهما على حساب الآخر فتختل في يدها كفتا الميزان. وأكتفي في النهاية بهذا القدر عن قصةٍ أو روايةٍ قصيرةٍ تُعد في رأيي المتواضع من أروع أعمال "هاندكه" إن لم أقل إنها من أبدع نصوص الأدب الألماني المعاصر.
رواية استطاعت من خلال الموضوعية أو الشيئية المتناهية في الدقة أن تكون موغلةً في الذاتية الصادقة المؤثرة إلى أبعد حد، وأن تكون في الوقت نفسه ذاتيةً إلى الدرجة التي يُخيل لنا معها أنها ذاتيةٌ موضوعية، وتلك هي بعض ملامح المفارقة التي سبق الإشارة إليها في شأن هذا العمل القصي الفريد، وفي الكتابة الحديثة أو الحداثية بوجه عام.

تاريخ Mar 16, 2020