إعلان
إعلان

متبرّعون في مواجهة الشائعات بوفاء واصرار الجزائريون أسخياء حتى في دمائهم

منذ شهر واحد|روبرتاج


..هم واهبون أوفياء همّهم الوحيد التبرّع بقطرات دم قد تكون سببا في إنقاذ حياة، تسلّحوا بالإرادة فتغلّبوا على شائعات الإصابة بالأمراض، التعرّض للفيروسات، وعلى فوبيا المستشفيات، بمختلف فروع ومراكز حقن الدم والشاحنات المخصّصة للتبرّع، جعلوا أنفسهم رهينة إشارة مرضى هم في حاجة إلى استعادة بريق الشفاء مرة أخرى، مما يؤكّد بأنّ ثقافة التبرع بالدم "حاضرة" بقوّة في المجتمع الجزائري وتسير نحو الأفضل في بلادنا.

فوبيا المستشفيات وتبعات نقل الدّم، الخوف من الابر ومن الإصابة بالفيروسات من جراء سوء تعقيم الوسائل المستعملة في ذلك، تأويلات وشائعات أثنت بعض الجزائريين عن التبرّع بقطرات من دمائهم، وألحقت الضرر بعملية التبرع في حدّ ذاتها، "الحراك الاخباري"، ارتأى والجزائر تحيي، اليوم الجمعة، اليوم الوطني للمتبرّعين بالدم، المصادف لـ 25 أكتوبر من كلّ عام، تحت شعار "دم آمن للجميع"، السّير عكس هذا الطّرح بـ" مقاطعة" المقاطعين للتبرّع بالدّم رغم قدرتهم، بعرض نماذج ايجابيّة لأشخاص أقدموا على عمليّة التبرّع بالدّم خارج مجالها المناسباتي او العائلي، تلبية لنداء القلب واستجابة لمطالب جميع المرضى الذين هم بحاجة إلى عملية نقل دم.

تلبية نداء المرضى مرّة في السنة أو بانتظام، جعل الجزائر تحتلّ الريادة في المغرب العربي وشمال إفريقيا في مجال التبرع بالدم، وسلوك حضاري وإنساني يعكس من جهة نجاح الحملات التحسيسية التي تقوم بها مختلف الهيئات والتنظيمات، ويؤكّد أنّ حضور الضّمير والجانب الإنساني يدحضان الشائعات والخوف، ويعدّ من جهة أخرى فرصة لنا للإشادة بشجاعة وتضحية جميع النساء والرجال الذين منحوا أغلى ما يملكون، يتبرّعون في الجزائر بدمائهم بشكل تطوّعي محض، في وقت تشتري فيه الدول الأوروبية من مواطنيها الدم بمبالغ كبيرة لتشجيعهم على تقديمها بانتظام.

محمّد: أنا أهب دمي.. أنا أفكّر بإيجابيّة

في هذا الاطار، أوضح " محمد"، 33 سنة والذي قام بحوالي 20 تبرعا، أنّ "عملية بسيطة لا تكلف المتبرع سوى 15 دقيقة من وقته؛ لكنها قد تكون سببا في إنقاذ أرواح الكثير من المرضى"، مشيرا في حديثه لـ " الحراك الاخباري" إلى أنّ " أصدقائي حذّروني من الإصابة بالمرض المنتقل عبر ميكروبات الدم، جرّاء عدم نظافة الأدوات المستعملة، ولكنني فنّدت إمكانية حدوث ذلك، كون هذه الأدوات تفتح أمام المتبرّع وتكون معقّمة وذكّرتهم بأناس يكونون في أمسّ الحاجة لقطرة من دمائنا، قد تساعدهم على تجديد الحياة، دون أن ننسى بأنّ هذا السائل الحيوي لطالما كانت عائقا بالنسبة لمرضى السرطان".

محمّد أكّد لـ " الحراك الاخباري" أنّه نصح اصدقاءه بالتفكير بإيجابية، وبالانضواء تحت لواء حملات التشجيع على التبرع بالدم، خاصة وأن مراكز الحقن تعاني خصاصا في مخزون الدم، "فمن الواجب التفكير في دعم المرضى عوض الانصياع وراء الشائعات التي تنعكس سلبا على حياة إخوة لنا ينتظرون بشغف قطرة دم تعني لهم الحياة"، مضيفا أنّ "تجاوز الشكوك حول انتقال الأمراض عن طريق التبرع بالدم، هو ما جعلني أقبل فكرة منح دمي، فالخطوة تعني إنقاذ حياة شخص في أمس الحاجة إليها، وخاصّة الحاملين لزمرة دم نادرة الذين يعانون من مشكل التبرع بالدم".

نوال: الواجب تدعيم المبادرات لا إذكاء نار الشائعات

من جهتها، أكّدت نوال، 28 سنة، لـ " الحراك الاخباري"، أنّها تملك بطاقة المتبرع منذ أن كانت طالبة جامعية، وأنها تتبرع مرتين إلى ثلاث مرات سنويا، وهو ما اعتبرته " ضرورة للتضامن مع المرضى بقليل من الدم وتحدّيا كبيرا لأسرتها ومحيطها"، وكشفت بأنّ " والدي واقاربي يخوّفونني من عملية التبرع بالدم على اعتبار أن دمي الذي أمنحه مجانا يتم بيعه، ويذكرونني بما تناقلته وسائل اعلام عديدة، منذ سنوات، عن تورّط بعض الممرّضين ومسيّري بنوك الدّم في سرقة حمولات من أكياس الدم، وتواطؤهم في عمليات مشبوهة لتهريب أكياس من الدم الجزائري الذي تخبئه المستشفيات للعمليات الجراحية، نحو الدّول المجاورة، أين توجد عيادات خاصة هناك تتاجر به، بتواطؤ داخلي على مستوى المستشفيات".

وتضيف نوال قائلة "من جهتها لا تتوان والدتي في تذكيري بتصريحات لمختصّين تؤكّد تفشي ظاهرة بيع دماء الجزائريين في العيادات الخاصة بـ 3000 دج للكيس!، بما يتعارض مع أخلاقيات الطب والجوانب الإنسانية"، تخوّفات واجهتها نوال بالقول إنّ " التبرع عمل خيري يجعلك قريبا من معاناة المرضى والإحساس بهم، وأنا أتبرّع بدمي لأنقذ حياة غيري، ولأنال الأجر فلا يهمّني أين يذهب؟، ثمّ إنّ فكرة التبرع بالدم تبقى عملا تطوعيا جيدا، كما أن القانون الجزائري يلزم المستشفيات بمنح الدماء بشكل مجاني، سواء للمواطنين أم العيادات الخاصة".

إلى ذلك، تؤكّد نوال "الحقيقة أنّ هناك بعض الناس أعرفهم امرأة تعاني من مرض عضال، وأمّ من العائلة القريبة حدث لها نزيف اثناء العملية القيصرية، ونداءات عدّة تصلنا عبر وسائط التواصل الاجتماعي لأناس بحاجة إلى دم"، لتواصل نوال، " أمام هذه الحالات من الواجب والأولى تدعيم المبادرات الرامية إلى دفع الناس على التبرّع بدمائهم لا إذكاء نار الشائعات".

 وليد: شاحنات التبرّع لتجاوز " فوبيا" المستشفيات

خوفه من ولوج المستشفيات ونفوره من "الرائحة التي تميّزها"، "تردي ظروف الاستقبال بمراكز حقن الدم المتواجدة بها وتردي الخدمات بصفة عامة والتي لا ترقى إلى مقام المتبرع"، هي أسباب عزوف "وليد" عن عمليّة التبرّع بالدّم على مستواها، أسرّ لنا بأنّ "مجرّد النظر إلى الدّم يغمى عليّ، كما أنّ رؤية المعدّات الطبيّة المستخدمة في العملية، يجعلني أتراجع في كلّ مرة أنوي فيها التبرع بالدّم، معاملة البعض وتردّي الخدمات والوجبة المقدّمة للمتبرّع بالمستشفيات تشعرني بأنني قصدت المكان لتسول خدمة أو علاج، وذلك عامل آخر غير محفز".

وليد يعدّ اليوم متبرّعا منتظما والسرّ في ذلك " تجاوزت الوضع المتردّي والخوف بالتبرّع بالدّم في مراكز لحقن الدم المتنقلة، التي يتم نصبها دوريا بساحة البريد المركزي، هناك وجدت ترحيبا قويا وتوفر الامكانيات وشروط التبرع بالدم".

عمّي" الونّاس"،عميد المتبرّعين بعمر السبعين سنة

"صحّتي في تجديد دمي ولكنّهم يجهلون"

كبر سنّه الذي شارف على الـ 69 سنة، لم يثن عمّي " الونّاس" على التبرّع بانتظام بقطرات من دمه، تلبية لـ" الواجب الوطني والإنساني"، على حدّ تعبيره، أوضح في حديثه لـ " الحراك الاخباري" أنّ " تبرّعه بالدّم بلغ 105 عمليّة، امتدّت لسنوات شبابه وكبره"، مضيفا بأنّ " مشواره مع التبرع بالدم بدأ سنوات السبعينيات، عندما تقرّب منه جاره طالبا مساعدته في تغطية حاجة ابنته المريضة والمقبلة على اجتياز شهادة البكالوريا، حينها لبّيت النداء تلقائيا".

" أواظب منذ ذلك الوقت على التبرع كل شهرين ولم أتوقف رغم تخطّي السن القانوني الموصى به للتوقف عن التبرع ورغم التأويلات"، يقول عمي الوناس، مشيرا إلى أنّه يستفيد من إجراء تحاليل عشية كلّ عملية للتبرّع بالدّم، جعلته يتمتّع بصحة جيدة حسب تأكيداته، إلى جانب ممارسته للرياضة بانتظام وخاصة الركض بمنتزه " الصابلات"، وبخصوص التأويلات، كشف المتحدّث أنّ " زوجتي وأبنائي يحاولون يوميا ثنيي عن التبرّع بالدّم بحجّة الخوف على صحّتي ومن الإصابة بالفيروسات المعدية المنتقلة عبر الدم، ولكنني أعتبر ذلك مجرّد أوهام مستمرة، وهواجس المرض، فكما ترون أنا بعافية وصحّتي في تجديد دمي بصفة منتظمة ولكنّهم يجهلون".

ارتفاع كمية الدم المتبرّع بها بنسبة 4ر9 % في السداسي الأول لـ 2019

كشف محمّد ميراوي، وزير الصحة والسكان واصلاح المستشفيات، عن ارتفاع في كمية الدم المجمعة من تبرع من المواطنين بنسبة 4ر9 بالمائة خلال السداسي الأول من السنة الجارية مقارنة بنفس الفترة من سنة 2018.

واكّد الوزير على أنّه بالرّغم من زيادة عدد مراكز حقن الدم عبر التراب الوطني، إلا أنّ " التحديات تبقى هامة في مجال توفير هذه المادة الحيوية وفق المعايير المطلوبة من حيث الكمية والأمن"، ودعا الوزير في السياق ذاته إلى وضع سجل وطني لزمرات الدم النادرة بغية تلبية حاجيات المرضى بشكل أفضل، وأنّ تحقيق هذا الهدف "يفرض تنظيما أفضل وتنسيقا بين مختلف المؤسسات الصحية" مذكرا بالإجراءات التنظيمية المرتبطة بنشاط حقن الدم المتضمنة في قانون الصحة الجديد.

وأوضح ميراوي أن جمع الدم "يشكّل خدمة عمومية مجانية تقوم على التضامن بين المواطنين" مشددا على "المنع الرسمي للطابع التجاري لهذا النشاط سواء تعلق الأمر بالدم البشري أو بالمشيمة ولواحقها".

الدكتور: سفيان كري، مدير الاتّصال بالوكالة الوطنية للدم

تحصيل أكثر من 321 ألف كيس عام 2019

أكّد سفيان كري، المكلّف بالإعلام بالوكالة الوطنية للدم، في حديثه لـ " الحراك الاخباري" أنه تم جمع 321343 كيس من الدّم، خلال السداسي الأوّل من السنة الجارية، عبر 232 مركز حقن الدّم على المستوى الوطني، مما سمح بإنقاذ مئات الآلاف من الأشخاص "، وذلك بارتفاع قدره 9.4 بالمائة مقارنة بنفس الفترة من العام المنصرم، وهو ما اعتبره " رقم مشجّع يعكس السخاء الإنساني ونجاح حملات التبرّع بالدّم".

وبلغة الأرقام أوضح الدكتور كري، أنّ 23 بالمائة من المتبرّعين متطوّعين منتظمين أكثر من مرّتين في العام، 41 بالمائة متبرّعين متطوّعين مناسباتيين و36 بالمائة متبرّعين عائليين، مقابل تسجيل الوكالة لـ 388490 مترشّح للتبرّع، بينهم 321 ألف خضعوا لعملية التبرع بالدّم، والبقية لم يتم نقل دمهم لأسباب صحيّة مؤقّتة أو دائمة، وأنّ 68 بالمائة من عمليات نقل الدّم تجرى بمراكز حقن الدمّ مقابل 32 بالمائة تجرى خارجها.

وبخصوص تخوّف البعض من الاقدام على عملية التبرّع بالدّم، قال زكري: "أطمئن الأشخاص المقبلين على عملية التبرّع بتوفر الشروط الصحية اللازمة وعدم الجدوى من تخوفهم لانتقال عدوى أو مرض"، مشيرا إلى أنّ "العملية سليمة ومعقّمة ولا تحتاج إلى الخوف غير المبرر، فالأمر لا يعدو عن كونه مجرد شائعات لا أساس لها من الصحة؛ فالأدوات المستخدمة هي أحادية الاستعمال، وإبرة الوخز يتم استخدامها هي الأخرى مرة واحدة، ولا يعاد استعمالها مجددا".

وعدّد زكري، في تصريح لـ " الحراك الاخباري"، فوائد التبرع بالدم على صحة المتبرّع قائلا إن " النصائح الطبية تنص على سرعة إجراء الفحوصات الدورية لاكتشاف الأمراض ومعالجتها قبل استفحالها"، مضيفا أنّ " التبرّع بالدّم يسمح بتجديده بصفة مستمرة، وهو ما يحافظ على انتعاشة الجسم ونشاطه وحيويته، كما أنّ المتبرّع يخضع لتحاليل الكشف عن الإصابة بالسيدا، الالتهاب الكبدي والزهري".

وأوضح الدكتور كري أنّ "حملات الترويج للتبرع بالدم قد مكنت من الانضمام التدريجي لمختلف الهيئات والادارات والمؤسسات العمومية والخاصة وكذا وسائل الاعلام والجامعات والحركة الجمعوية"، كما اغتنم زكري هذه الفرصة للإشادة بجميع المتبرعين بالدم والتفاتتهم النبيلة، وذكّرهم بأنّ كيس دم واحد ينقذ حياة ثلاثة أشخاص، وأنّ " من أحياها فكأنما احيا الناس جميعا".

يذكر أنّ الوكالة الوطنية للدم قد كشفت عبر بيان لها، عن جمع 11150 كيس من الدم بمناسبة اليوم الوطني للمتبرعين بالدم (25 اكتوبر 2018) و 10946 كيس من الدم خلال اليوم المغاربي للمتبرعين بالدم (30 مارس 2019) و 7642 كيس من الدم خلال اليوم العالمي للتبرع بالدم (14 يونيو 2019) و 44182 كيس من الدم عن طريق عمليات جمع متنقلة بالقرب من المساجد بالتنسيق مع وزارة الشؤون الدينية والاوقاف.

الدكتورة نجاري غنية، طبيبة أخصائية في العلاج الأسري

إصابة المتبرّع بالأمراض مجرّد اشاعات

فنّدت الدكتورة نجاري غنية، طبيبة عامّة وأخصائية في العلاج الأسري، كافة التأويلات واشاعات الإصابة بالأمراض جرّاء التبرّع بالدّم، مؤكّدة أنّ للتبرّع بالدّم فوائد صحيّة عديدة، بينها تجديد الدمّ، حيث "تسمح العملية بتجديد كرات الدم الحمراء بالتخلّص من القديم وضخ الجديد، كما يحسّن التبرع الدوري بالدم من جودة مكوّنات الدم، وزيادة نسبة الخلايا الشابة حديثة التصنيع، ذات الكفاءة الأكبر في نقل الأكسجين"، إلى جانب "تقليل احتمالات الإصابة بالعديد من السرطانات والتقليل من عوامل الأكسدة ومحفزات الالتهاب ومن فرص حدوث جلطات القلب والنوبات القلبية عمومًا".

التبرع الدوري بالدم يحافظ على نسبة الهيموجلوبين في الدم في المعدل الطبيعي، تضيف الطبيبة، ناهيك عن وجود "حالات مرضيّة علاجها يكمن في التبرّع بالدّم، بينها الزيادة غير الطبيعية في كمية كرات الدم الحمراء"، واعتبرت الطبيبة التبرّع بالدّم " فرصة للكشف المبكّر عن الدّاء، والاطمئنان الدّوري على صحّة المتبرّع، بخصوص الإصابة ببعض الأمراض الخطيرة التي تنتقل بالدم مثل فيروسات الإيدز والفيروسات الكبدية بي وسي، ومرض الزهري ...، كما تسمح التحاليل المجراة قبل كلّ عمليّة بالاطمئنان على ضغط دم المتبرع، ونبض القلب، ونسبة الهيموجلوبين بالدم، وكذلك الوزن، مما يسهم في الكشف المبكر عن عديد الأمراض على غرار ارتفاع الضغط والأنيميا".

وكشفت الدكتورة نجاري، مديرة مركز الأمل للإرشاد والتأهيل الأسري، أنّه " إذا توفّرت في الشخص الشروط، واتبعت الجهة المسؤولة القواعد الصحية، كتعقيم مكان دخول الإبرة على الذراع، واستخدام أدوات خاصة لكل متبرع، لن تحدث مضاعفات تذكر"، مشيرة إلى أنّ المخاطر في عملية التبرّع بالدّم "منعدمة" طالما تم الالتزام بالقواعد الصحية السليمة من استخدام الإبر والمحاقن لمرة واحدة فقط، وتعقيم مكان الدخول الوريدي.
روبرتاج: سمية.م

تاريخ Oct 25, 2019