إعلان
إعلان

مجموعة " الأعمال الكاملة " لمالك بن نبي

منذ 14 يومًا|قراءة في كتاب


  يُروى بتواتر عن مفكّر الإسلام وفيلسوف الحضارة في القرن العشرين، مالك بن نبي، رحمه الله، قوله لزوجته في آخر حياته "سأعود بعد ثلاثين سنة وسيفهمني الناس"، فقد عاش محاصرا في عصره، ومضايقا في أفكاره، غير أنه كان واثقا تماما أنها سَتُفَعَّلُ في يوم ما، وها قد صدقت نبوءة الرجل العملاق اليوم بعودة النخب الإسلامية في مختلف المستويات إلى مُدارسة رؤاه التي سبق بها زمانه قبل 75 عاما، وجعلت قيادات دول من قيمها الفلسفية والعملية مرتكزات لنهضتها الجديدة!

لقد كان بن نبي يؤمن أنّ "المشروع الإصلاحي يبدأ بتغيير الإنسان، فالإنسان هو الهدف و نقطة البدء في التغيير والبناء "، لذلك كرس حياته للبحث في مشكلات الحضارة، وبذل جهدًا كبيرًا لفهم مقوماتها.

ودفعًا لاهتمام القرّاء بمطالعة الكتاب في ظل الحجر الصحّي هذه الأيام، وتعميما للفائدة المعرفية الراقية التي حملها فكره الإسلامي النيّر، فقد ارتأى "الحراك الإخباري"، أن يعود إلى بسط تصورات الرجل الأساسيّة، من خلال عرض لأبرز مؤلفاته العالميّة ، واليوم سيكون موعدنا مع مجموعة " الأعمال الكاملة ".
 وقد جمعت دار الفكر السوريّة أعمال بن نبي في خمسة مجلدات ؛ رتبتها بحسب تاريخ تأليفها، لتتيح له فرصة الاطلاع على حركة أفكاره؛ من أين بدأت، وكيف نمت وتطورت؛ وصنعت لها لأول مرة فهارس مفصلة لكلماتها وموضوعاتها المفتاحية لكي تيسر له الوصول إلى كنوزها، ورصد الأشكال والأساليب المتعددة التي تناولها فيها، وربط بعضها ببعض لتشكيل صورة شاملة لها.
وقال عمر كامل مسقاوي في مقدمة المجموعة الكاملة: كنت قدَّمت لقارئي فيلسوفنا مالك بن نبي؛ شهادتي في صحبتي له في مجلدين صدرا عن دار الفكر، حيث تعرَّفت عليه طالباً عام 1956 أثناء دراستي في القاهرة، وكنت على اتصال وثيق به في مرحلة الدراسة ثمَّ التخرج عام 1961، وفي عام 1963 عاد إلى الجزائر، وفي الأعوام الأخيرة من حياته 1971، 1972، 1973 عندما كان يتردد إلى بيروت متابعاً لإصدار بعض كتبه. تلك مسيرة في صحبة بن نبي؛ حدثت عنها طويلاً، وباتت العودة إلى تفصيلها فضول حديث، يكفي أن أشير هنا إلى أنَّ ما يعرفه قراء كتب مالك حول مشكلات الحضارة، وذلك من إصداراتي لها بعد وفاته، وتوقيعي على مقدِّمات بعض منها، أنَّ صحبتي لأفكاره منذ وفاته عام 1973 إلى يومنا جاءت لزام يد كتبها بخطه (حين زارني في طرابلس عام 1971 وسجلها في المحكمة الشرعيَّة)؛ وذلك بأن أرعى تراثه الفكري ونشر كتبه بعد وفاته ما حييت، وكان ذلك منه إلحاحاً لم أجد لي فيه مخرجاً.
وهكذا، يضيف مسقاوي، نحن اليوم وكلمات بن نبي وكتبه وصلت إلى قارئيه باللُّغة العربيَّة والحمد لله، ثمَّ بالفرنسيَّة أخيراً، وذلك ما قام به تلامذته من الجزائر؛ وبات فكر بن نبي دُولةً بين أهل الفكر والرأي سارت به رسائل من قرائه، وأشرع المفكرون له طَولاً في بساط التحليل والتأمل، وغدت البنابيَّة بالتعاون مع مؤسسة دار الفكر ومديرها الأستاذ محمد عدنان سالم، أوسع مدى وعمقاً في دقائق ما أُنجز في سلسلة مشكلات الحضارة؛ رسالةً وتأسيساً لدور عالم إسلامي جديد. تلك رؤيا جيل بدت طلائعه في مختلف الدراسات الجامعيَّة في جامعات القاهرة، وماليزيا، والسعودية، ودول الخليج، وباريس، وجميعها تتخذ جوانب من فكر بن نبي تؤسس بها لمرتكزات عالم إسلامي متفاعل.
وهكذا عاد بن نبي إلى الجزائر تراثاً في الثقافة الوطنية والإسلامية؛ وكان قد خرج منها غاضباً ومحبطاً إلى مصر ولبنان وسورية من الخمسينيات إلى بداية الستينيات ثمَّ عاد إلينا في السبعينيات قبل وفاته، والكلام دائما لمسقاوي، وألقى في دمشق أكثر من عشرين محاضرة عام 1972 جمعتُ بعضها في كتاب صدر بعد وفاته تحت عنوان "مجالس دمشق"، وهكذا بتوجيه من الحكومة الجزائريَّة عام 2003 وردتني دعوة من حكومة الجزائر حين اتصل بي سعادة سفير الجزائر في بيروت، وأبلغني رغبة المسؤولين في الجزائر الاتصال بي لدعوتي للمشاركة بيوم الجزائر في باريس عام 2003 وحضور الاحتفال الذي يقوم في النادي العربي في باريس بمناسبة تكريم سلسلة رجال الجزائر من الأمير عبد القادر الجزائري إلى مالك بن نبي. وقد ألقيت على منبره كلمة حول اتصالنا به كطلاب. ثمَّ تبعتها دعوة لزيارة شبه رسمية للجزائر، والتحدث مع طلاب جامعة الجزائر وجامعة وهران وقسنطينة، وذلك ما فصلته في كتابي "مقاربات حول فكر مالك بن نبي" من على منبر الجزائر، ثمَّ وردتني دعوة أخرى من المجلس الأعلى الإسلامي للمشاركة في أعمال الملتقى الدولي أيام 23، 24 و25 شعبان 1424 الموافق 18، 19، و20 أكتوبر 2003 تحت عنوان: "مالك بن نبي فكره وأعماله".
ويسأل عمر مسقاوي فلماذا مالك بن نبي إذن؟ ولماذا الحضارة؟ ولماذا التربية؟ في واقع الأمر، إنَّ السؤال "لماذا مالك بن نبي" هو نفسه السؤال "لماذا الحضارة"، ذلك أنَّ اسم مالك بن نبي قد ارتبط بكلمة "الحضارة"، حيث مثلت مشكلاتها عنده، فركز كل اهتماماته الفكريَّة ومؤلفاته كلها تحت هذا العنوان الجامع: "مشكلات الحضارة".
وقد بدأ منذ نهاية الثمانينيات من القرن العشرين في اعتقاد مسقاوي الاهتمام المتزايد بفكر مالك بن نبي الذي شهدته وتشهده الساحة الفكريَّة في الشرق العربي والإسلامي وحتى الغرب، بعد تغييب وتجاهل طويلين، وكان من أسباب ذلك أهميَّة الطرح الشمولي لما يعرف بقضايا التخلُّف المتعلِّقة بدول العالم الثالث عموماً، والعالمين العربي والإسلامي على وجه الخصوص، والذي تجسده فكرة الحضارة. هذه الأهميَّة عند مالك بن نبي؛ تعود إلى عدم قدرة المعالجات التجزيئيَّة والمباشرة لمشكلات التخلُّف المحصورة في مظاهره، وإلى التجارب المستوردة والمطبقة في هذه الدُّول، وما صاحبها من إيديولوجيات، على مقاومة تقلبات الزمن، لأنَّ هذه المعالجات والحلول لم تكن تنبع من التربة الأصليَّة لهذه الدُّول.
كما تعود هذه الأهميَّة في الوقت نفسه؛ إلى صمود الطرح البنّابوي طوال هذه العقود؛ في وجه التغيرات الحاصلة في الداخل والخارج، ممَّا يضفي على هذا الطرح صفة المعاصرة، ويُعزى هذا الصمود (علاوة على طرحه لفكرة الحضارة) من جهة ، إلى منهجيَّة مالك بن نبي التحليليَّة الموضوعيَّة؛ في تناول هذه المشكلات وفي رصد أسبابها العميقة. من جهة أخرى، إلى تأكيده على الأهميَّة البالغة للذاتيَّة الثقافيَّة، ثمَّ بيانه لخطورة الاستعارة الارتجاليَّة الاستعجاليَّة، دونما تخطيط مسبق ومدروس بدقة. فالحضارة عند مالك بن نبي ليست بضاعة تباع وتشترى؛ بل هي بناء داخلي تحدِّده عبقريَّة المجتمع وتعكس خصوصيَّته الثقافيَّة عبر مسيرته التاريخيَّة، وبالتالي فهي غير قابلة للاستعارة، وكل محاولة في هذا السبيل تعرِّض الثقافة المغلوبة على أمرها للمسخ بعد سقوطها في شباك التبعيَّة. من هنا تبدو، في نظر مسقاوي قراءة أو إعادة قراءة المشروع المجتمعي الحضاري لمالك بن نبي؛ قراءة معمَّقة وموضوعيَّة بعيدة عن الأحكام التعسفيَّة، مهمَّة وذلك لعدَّة اعتبارات منها: كونه صاحب طرح جديد ومتميِّز، فهو أوَّل من كتب في العالمين العربي والإسلامي عمَّا يُسمى اليوم بالتنمية، وأوَّل من تناول بشكل منهجي مستقل مشكلة التراث والمعاصرة "فضلاً عن كونه من القلائل الذين طرحوا من منظور نقدي فعَّال مشكلة التراث والمعاصرة" . فالفكرة في حركة التغيير؛ هي المركب النفسي الذي به أبحرت سلسلة مشكلات الحضارة، وهي تشمل الإنسان والإطار، وهنا يجب على الثقافة أن تبحث عن روحها؛ في مجموع القيم الروحيَّة التي تحملها الحضارة الإسلاميَّة، يتقدمها نوع من التراث، له خصائصه في المدى العالمي؛ يشبه التراث الذي قدمته الإنسانيَّة الإغريقيَّة اللاتينيَّة في الغرب؛ من أجل حضارة عالميَّة . هذه النقطة الفقهية هي خلاصة تراث بن نبي؛ في نقطة تحوُّل في الحياة الإنسانيَّة على هذا الكوكب، إذ يتاح للإسلام الدور الأكبر - بحكم حضوره الثقافي والتاريخي في آسيا وإفريقيا - في إبلاغ رسالته إلى العالم.
ونشير في الختام أن هذه المجموعة الكاملة التي طبعتها دار الفكر بدمشق في طبعة مجلدة وفاخرة جدا، متوفرة حصريّا بالجزائر لدى "دار الوعي"، لكل من يرغب في الاستفادة منها، حيث يمكنه التواصل معها عبر حسابها الرسمي على مواقع التواصل الاجتماعي

تاريخ May 14, 2020