الحراك الإخباري - عائلات في محنة....بطالون في رحلة حفظ الكرامة
إعلان
إعلان

عائلات في محنة....بطالون في رحلة حفظ الكرامة

منذ 7 أشهر|روبرتاج

التقيناه صدفة بمقر 'جمعية القلوب الرحيمة" بالعاصمة، رجلا في الخمسينات من عمره غطى الشيب رأسه وزحفت التجاعيد مبكرا على ملامح وجهه لباسه المهترئ ونعله البلاستيكي يغنيان عن كل تعليق ويرويان الكثير عن الفقر والحاجة، كان يحمل ورقة لقائمة أدوات مدرسية ووصفة طبية يعود تاريخها -كما أظهره لنا- إلى شهر أوت المنصرم لدواء الإكزيما والربو الذي لازم زوجته.

الرجل شاحب الوجه، بدا عليه الهوان جليا بفعل الهموم وغدر الزمان، قصد الجمعية الخيرية بحثا عن سبيل لمجابهة قساوة الحياة وضنك العيش، وقد تعذر عليه تغطية مصاريف تمدرس أبنائه الخمسة واقتناء الدواء لامهم، مما يحصله من بيع الاكياس لأصحاب المحلات، فمورد رزقه توقف ليحال إلى بطالة قسرية، منذ أعوام، بعد أن أغلقت الشركة أبوابها تحت غطاء الأزمة الاقتصادية، ولم ينل أي تعويض بعد سنوات طويلة من العمل وقبل وصوله إلى سن التقاعد..

سعيه الدائم للبحث عن عمل قار يحفظ كرامته باء بالفشل " جوزت رمضان بقدرة ربي كما يقال ناكلوا الخبز والما والراس فالسما.. الحجر المنزلي خفف من وطأة شعور أبنائي بحرمانهم من ثياب عيد الفطر، بينما تصدق جيراني ببعض من لحم أضحية العيد".

اقصاء وتهميش عانى منه طويلا، رب الأسرة، قبل أن يغرق في بطالة " قاتلة" كما قال، تقاضيه اقل من الأجر الأدنى المضمون، حرمه من ادخار اي مبلغ تحسبا " للعقوبة" أو المجهول، وجعله يعيش اليوم الفقر المدقع، يعول في إشباع ستة أفواه جياع على بيع الأكياس وصدقات المحسنين، بعد أن عجز عن توفير " الخبزة كاملة" وأدنى ضروريات العيش الكريم.

نعيمة: بكيس سميد قاسمت زوجي إعالة أبنائنا الستة

حكاية السيدة " نعيمة"- اسم مستعار- امراة خمسينية مقيمة بقلب الحي الشعبي بلكور، تحمل بين طياتها العديد من المبادئ السامية ومنها وقوف " الفحلة" إلى جانب زوجها في محنته بعد أن أحالته ظروف قاهرة إلى بطالة قاسية، والسر يكمن كما أسرت ل " الحراك الاخباري" في " صنعة اليدين" والمادة الحيوية بالنسبة لها هي كيس " السميد".

"توقف زوجي فجأة عن العمل عند أحد الخواص، بسبب مشاكل بينهما، خرج يدو فوق راسو، ولا يوجد بحسابه البنكي سوى ألف دينار جزائري", أسرت الزوجة التي وجدت نفسها في ليلة وضحاها تقاسم زوجها إعالة أبنائهما الستة، تقول "هدأت من روع زوجي وقررت دخول معركة الحياة من باب التشمير عن ساعدي، انا نخبز وهو يبيع".

فالسيدة ورغم التهاب المفاصل الروماتيزمي الذي لازمها منذ سنوات، إلا أنها قررت اعداد الخبز لأجل الخبز، بينما دفعت الظروف المزرية والرغبة الملحة لسد رمق الجوع قسرا بزوجها وابنها إلى جنبات الشوارع، الطرق وواجهات المحلات لتحصيل دنانير " مشروعة" من بيع ما تعده والذي تعدى الخبز ليشمل جل العجائن التقليدية المؤهلة للتسويق، على غرار الديول، المسمن، البغرير، الرشتة، التريدة، البركوكس، وكذا المشغولات اليدوية الكروشي والحلي، اللبن والشاي المعد في المنزل، فيما يطرق بابه آخرون لتعد لهم ما جادت به أناملها تحت الطلب..تقول بنبرة لم تخل من التفاؤل " خانتني الصحة بصح وقفت مع راجلي والحمد لله، وفرت له راتبه السابق وزدت عليه، سدد ديونه ووقف على رجليه، وهذا هو الصح".

محمد: تفاقمت همومي بتراكم ديوني

طرق جل الأبواب بحثا عن عمل قار يدر عليه دخلاً يكفي لسداد إيجار الشقة التي يسكنها وزوجته واولادهما، أو حتى سد رمق جوعهم، ولم يتوان " محمد" 45 سنة في الإعلان عن بحثه عن عمل أينما حل أو ارتحل، سألناه كيف يغطي تكاليف اعالة أربعة أبناء وامهم، فقال " الحال صعيب، والحل في الاستدانة"، قبل أن يستطرد " تفاقمت همومي بتراكم ديوني، كل أسبوع أستلف مبلغا من هذا لاعيد الدين لهذا واحتفظ بجزء لاعالة اسرتي".

بالموازاة مع لجوئه إلى حتمية الاستدانة، أخبرنا محمد أنه يقوم بشراء ملابس من محلات الجملة ليعيد بيعها بعد إضافة هوامش ربح، يغسل مركبات جيرانه بنصف الثمن المعتمد في محلات غسيل السيارات، يخلف دوريا بائع المواد الغذائية خلال الفترة المسائية، بمقابل يحسب بالساعة.

عندما التقينا محمد، كان جالسا بمكان منزو غير بعيد عن محطة القطار " الورشات" بالعاصمة، بكرسي خشبي قبالة صندوق حديدي منهمكا في تصليح حذاء زبونة وقفت بجانبه بانتظار تسلمه، بينما تكومت من حوله الاحذية، أخبرنا بابتسامة ان حرفة " الكوردوني" تضاف إلى سلسلة النشاطات التي يضطلع بها لتغطية مصاريف عائلته، بعد أن زج به في عالم البطالة، سنوات التسعينيات، ضمن العديد من العمال المسرحين، والمهم حسبه تحصيل " خبزة حلالية وترك الباقي على الله، فاللي خلق ما يضيع" كما قال.


لمجابهة ارتفاع كلفة المعيشة، ورغم بطالتهم المرة، لم يبق هؤلاء مكتوفي الايدي أو ينتظرون صدقة بلا تعب، كما لم يكتفوا بانتظار منحة ال 5000 دج ولا المليون، ولا قفة رمضان، فالاتكال غاب بحضور التوكل والنوم طار بالتبكير لتحصيل الرزق، والكسل اضمحل بالتشمير عن السواعد...مشاهد اختفت وأصبحت بالغة الندرة وأخرى برزت لتبقى إحدى قصص المجتمع وما أكثرها.

روبورتاج: سمية.م

تاريخ Nov 11, 2020