إعلان
إعلان

كتاب يقدم رؤية شاملة لأطروحات الرجل "العلمانية والحداثة والعولمة" في فكر المسيري

منذ شهر|قراءة في كتاب

أصدرت دار الفكر السوريّة قبل سنوات مجموعة حوارات أجريت مع المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري، رحمه الله، حول مشاريعه الفكرية وأبعادها، بحيث تحمل معنى آخر يوضح ويشرح مجمل الأفكار والمبادئ التي انطلق منها لتشكيل فكره الموسوعي، حيث قامت بتحريرها سوزان حرفي، المثقفة المتألقة، لتعرض أهم محطات المسيري الحياتية والفكرية، وإنجازه الموسوعي اليهود واليهودية والصهيونية، في نموذج تفسيري جديد من خلال الظروف التي أحاطت بالعمل، وصعوباتها، وردود الفعل والانتقادات التي وجهت له، وكيف استقبل العامة والخاصة هذا العمل.
ويوضح اجتهاده المميز وغير المسبوق في الاهتمام بقضيتين مصيريتين بحكم تحديات الواقع المعاش الآن وهما المجاز والعلمانية.
ويضم عرضاً لآرائه في واقع حال مصر والأمة العربية والإسلامية، ورؤيته لحال الفكر والثقافة والمثقفين العرب، إلى جانب نظرياته المتعلقة بالزواج وبحريته الشخصية التي استمرت ما يقرب من خمسين عاماً ولم تفقد حيويتها..
وتجمع الحوارات اللقاءات التي أُجريت مع المسيري منذ أواخر الستينيات، والمناقشات معه لعدد من الموضوعات حيث تجسدت الحوارات في شكلها النهائي، وقد أجراها صحفيون وإعلاميون ومتخصصون عبر محاضرات أو ندوات أو لقاءات إعلامية توضح رؤية المسيري التي تحفظ للإنسان توازنه، يستلهم فيها من الموروث الحضاري والقيمي نماذجها المؤكدة على الهوية، التي تمثل أول الخطوات نحو النهضة واستعادة الثقة بتاريخ ناصع بني على القيم.
وتوضح مجمل الأفكار والمبادئ التي تشكل فكر المسيري الموسوعي، وخاصة في إطار موضوعات الصهيونية واليهودية والغرب والعولمة والعلمانية والمادية والحداثة، مما يحدد العلاقة بين الإنسان والطبيعة والخالق، وهي موضوعات، لا تزال حاضرة بقوة في واقعنا العربي والإسلامي، وتعد من أهم إنجازاته الفكرية.
  في هذا الكتاب من السلسلة المكونة من أربع أجزاء، وهو " العلمانية والحداثة والعولمة" ستُلاحظ كيف أن عقلية المسيري ليست عقلية تقف عند حدود رصد المعلومات الخاصة بالرؤى المعرفية الكبرى، ولكنها عقلية ' توليدية" تُنتج المفاهيم وترسم الخرائط الإدراكية وتبحث وراء ظواهرها، فهو ينقد الرؤية الحداثية للعالم من خلال تركيزه على علاقة الإنسان بالكون ونقده للحلولية والعلمانية المادية.
 ففي بدايات الكتاب دفعات من الأسئلة تتمحور حول رؤية المسيري، وهذه الرؤية ترى في الحداثة الغربية استنارة مظلمة وتحديث منفصل عن القيمة، وهذه الأخيرة نقطة أساسية في خلاف المسيري مع الحداثة، وأساس مغاير للبناء المعرفي الجديد الذي يريد المسيري تدشينه للحداثة.

في مقاربة حجاج أبو جبر بين زيجمونت باومان وعبد الوهاب المسيري يُشير إلى استلهام المسيري لنقد مدرسة فرانكفورت للحداثة بما يُلمح لمحاولة تقليل من قيمة نقد المسيري، والحقيقة أن المسيري نفسه في هذه الحوارات يقول أن هناك اختلاف بين نقده وبين نقد مدرسة فرانكفورت، فبينما هو يُقدّم حلولًا لتجاوز أزمة الحداثة تكتفي فقط مدرسة فرانكفورت بالنقد دون أي محاولات معرفية جادة لتجاوز أزمة الحداثة الراهنة.
يمكن أن تحصر نقد المسيري للحداثة من خلال تركيزه على مفاهيم " الإنسان ذو البُعد الواحد" و " الحداثة الداروينية" و " الاستهلاكية المفرطة"، وكذا من خلال نقده للنظم التي تدور في إطار المرجعية الكامنة مثل " النظم الحلولية" حيث تحل قوانين الطبيعة محل الإله، سواء كانت قوانين علمية أو مادية أو حتمية تاريخية، فجوهر نقده لها كونها اختزلت المسافة بين الخالق والمخلوق فلا تؤمن بأي مرجعيات متجاوزة، وهنا عندما يتكلم المسيري عن المرجعية النهائية سيقول أن النظم الحلولية مرجعيتها كامنة، بمعنى أن العالم مكتف بذاته بداخله كل ما يلزم فهمه، ومن هنا يرصد التشابه بين النظم الحلولية والمنظومة الداروينية من حيث التماثل في البنية حيث لا يوجد فصل بين الأصل ونقطة النهاية.
وفق هذا الفهم يرى المسيري أن البراجماتية هي شكل من أشكال الداروينية التي يصفها بأنها " براجماتية المنتصرين" ، ويرى في البراجماتية داروينية المهزومين.
يرى كذلك المسيري فشل علم الاجتماع الغربي في تطوير نموذج شامل ومركب للعلمانية، ومن ثم سيطرح المسيري رؤيته حول العلمانية الجزئية والشاملة، وهذا موجود بتفصيل كبير في كتابه عن العلمانية، لكن أهم ما أشار له المسيري أن العلمانية ليست أقوالًا وأفعالًا واضحة، بل هي منظومة فلسفية سلوكية كاملة قد لا تُدرك بشكل مباشر أثرها عليك حتى تم توليد النماذج المعرفية والأخلاقية العلمانية من داخل النسق الديني نفسه.
يؤكد المسيري أن الحداثة والإمبريالية متلازمتان منذ النشأة، فهي بدأت في أواخر القرن السادس عشر باستعمار الأمريكتين وإبادة سكانها، ويرفض مقولة أن الإستعمار هو انحراف عن خط الحداثة، ويقول بأن الاستعمار هو تحقق النموذج الغربي، ومن هنا يسأل عن تكاليف هذه الحضارة! فالنزعة الإمبريالية ساهمت في تحقيق التراكم الرأسمالي الغربي، ومن هنا يدعو المسيري لحداثة إسلامية تحترم القيمة.

في هذا الكتاب تتعدد مواضيع الأسئلة بين موضوعات العلمانية الشاملة والجزئية وتعريف العولمة وأثرها وعن الإمبريالية كتطبيق عملي لنظرية العلمانية الشاملة، وينتقد هنا المسيري ليس فقط الخطاب الامبريالي الغربي بل ويستمر في انتقاده لفلسفة ما بعد الحداثة، بينما يوضح جانبها الايجابي في أنها تفكك الكثير من مقولات وعيوب الحداثة، إلا أنها حالة تفكيك مستمرة لا تنتهي، فهي لا تتوقف قبل تفكيك الوجود الإنساني نفسه وتحويل الإنسان إلى كائن جسماني اقتصادي بتعبير الدكتور المسيري لا يسعي إلى غاية فهو كائن يعيش في الحاضر ويتحول السعي نحو الحقيقة الي سعي الي لذة وسعادة لحظية تتجلي في الاستهلاك.

كذلك تطرق الدكتور المسيري في إجاباته عن بعض الأسئلة المثيرة التي طرحتها الأستاذة سوزان حرفي بذكاء ينم عن اطلاعها الواسع وتمكنهت من ناصية مشروع الدكتور عبد الوهاب المسيري الفكري، أسئلة تتراوح ما بين الصهيونية وفكرة نهاية التاريخ عند فرانسيس فوكوياما وأطروحة صدام الحضارات لهنتجتون وأوضح كيف أنهما متعارضتان من حيث الجوهر، فنهاية التاريخ التي يبشر بها فوكوياما إنما هو سعي إلى إيقاف مسار التاريخ بوصول الإنسان إلى القمة وهي الحضارة الغربية الحالية التي تمثل الحالة التي على جميع البشر أن يتحولوا إليها، وما بين أطروحة هنتجتون التي تطرح أن هنالك صراعاً حادا قائماً بين الحضارة الغربية وما بين النظم التي تنطلق من الإنسان والمقدس كجوهر ومركز للكون.

وعليه، فإنّ هذه السلسلة الذهبية من الحوارات الفكرية هي أفضل مدخل لفهم فكر الرجل، والحقيقة أنها رؤية شاملة لفكر المسيري بذلت فيها سوزان حرفي مجهودًا كبيرًا حتى يخرج على شكل منهجي منظّم وجميل، علما أنها متوفرة لدى دار الوعي الجزائرية، باعتبارها الوكيل التجاري الحصري لدار الفكر السورية في الجزائر.

تاريخ Jun 29, 2020