الحراك الإخباري - دار الفكر تردّ على الشكوك والتساؤلات: خلق الكون بين العلم التجريبي والعقيدة
إعلان
إعلان

دار الفكر تردّ على الشكوك والتساؤلات: خلق الكون بين العلم التجريبي والعقيدة

منذ شهرين|قراءة في كتاب

من أهم المشكلات التي برزت في عصر لغة العلم التجريبي مسائل الألوهية والاعتقاد، في إله صانع خالق لهذا الكون من عدم، إذ صارت هذه المباحث والمسائل الدينية عموماً تُحاكَمُ وفق هذا المعيار، أي معيار العلم، وهذا ما جعل مسائل العقيدة اليقينية تصير محل تشكك وتردد، ويأتي هذا الكتاب الهام " كون من لا شيء" لصاحبه أسامة بن جمال بعزاوي، الصادر عن دار الفكر السوريّة، ليرد على هذه الشكوك والتساؤلات ويعالج مسألة خلق الكون من عدم بين العلم التجريبي وبين العقيدة.

لطالما مثلت مسائل العقيدة والدين، كوجود خالق وثبوت عالم غيبي وراء المشاهد والمحسوس ومسائل النبوّات انهمام البشرية جمعاء، بل أثبتت البحوث الإنثربولوجية بما لا يدع مجالاً للشك أن الدين ملازم وملاصق لأقدم التجمعات البشرية المكتشفة عبر الأحافير والمستحثات، إذ لا يخلو مجتمع بشري مهما أوغل في البدائية من رموز ورسوم تتعلق بمسائل غيبية، اصطلح على تسميتها بالدين، فالدين قديم قدم الإنسان، وهذه مسألة مسلمة بين علماء الاجتماع، بغضّ النظر عن أصل نشأة هذه التأملات الغيبية، بل يمكننا عدّ الإنسان حيواناً متديناً، إذ هو الحيوان الوحيد الذي يمارس الطقوس والشعائر الدينية.

نعم، العلوم الإنسانية تعدّ الدين نتاج المجتمع لتلبية حاجياته، فهو كما يقولون ظاهرة إنسانية ثقافية، وهذا أمر يحتاج بحثاً ونقاشاً للأسس التي قادتهم إلى هذه النتيجة، وهل حقاً هذه الاستنتاجات علمية تماماً وخاضعة لمنطق العلم التجريبي الذي صرحوا بمنهجه في كتبهم؟ بغض النظر عن هذا، فالأمر المؤكد أن الدين ظاهرة ملازمة للتجمعات البشرية، مهما كانت موغلة في البدائية، كما يعبر بعضهم..

والملاحظ تقدم العلوم الحديثة في هذا القرن، خاصة أواخره، إذ شهد قفزة نوعية، بحيث يُعَدُّ كل ما سبق من تاريخ العلم مثل لا شيء أمام الكشوف الحديثة، مع ظهور النسبية العامة والخاصة ومكيانيكا الكم، وسبر أغوار الكون، واكتشاف التلسكوبات الضخمة والمسرعات، التي استطاعت أن تفجر الذرة وتبحث عن أصغر عنصر أساسي لتكوين المادة، بل صار وجود المادة محل تساؤل وشك من طرف عديد الباحثين، خاصة أن المادة صارت هي الأخرى طاقة، أي هما وجهان لعملة واحدة، فالمادة طاقة متجمعة، وهذا ما تثبته النسبية الخاصة لأينشتاين، وهذا بدوره أثَّر في أفكار المجتمعات الإنسانية وظهرت أبعاده الفلسفية وصداه الفكري، بل حتى على الصعيد الاجتماعي، من حيث سيادة منطق اللايقين واللاوثوقية، على كل المناحي الفكرية البشرية.

رغم ذلك بقيت مسائل الدين حاضرة بقوة، سواء بين مدافع بقوة اليقين يريد أن يبين أن الدين لا يزال حاضراً رغم طغيان لغة العلم التجريبي على هذا العصر (بل بعضهم يرى تقدم العلوم أظهر بما لا يدع مجالاً للشك وجوب حضور خالق مبدع منشئ للكون من عدم)، وبين مشكك يريد أن يبين عدم جدوى الدين، وأنه يمكننا الاستعاضة عنه بالعلم، العلم فقط، دون الحاجة إلى مؤثرات غيبية لا يمكن إثبات صحتها من بطلانها، طالما لا يوجد لها أساس تحقق تجريبي.

في هذا الإطار نجد تأثُّرَ كثير من شباب المسلمين بنظريات علمية حديثة، خاصة الفيزيائية منها، أسيء فهمها، ووقع توظيفها من بعض الملاحدة وإخراجها عن سياقها وتحميلها مدلولات لا تدل عليها لا مطابقة ولا التزاماً، إنما هي أوهام إيديولوجية تحرك أهواء القوم، ولكي تحظى بالشرعية والقبول بين عموم المثقفين أُلبِست عَنوة جلبابَ العلم والعلمية والموضوعية.

ومن أبرز من ضرب بسهم وافر في هذا المجال؛ البيولوجي الملحد "ريتشارد دوكينز" صاحب كتاب "وهم الإله"، وغيره من الكتب التي حاول فيها أن يستغل ويوظف البيولوجيا، خاصة البيولوجيا التطورية، ليفسر نشأة الحياة على كوكب الأرض انطلاقاً من العلم فقط، وعليه، لم يعد هناك حاجة لإله وخالق وصانع ومدبر، العلم يفسر كل شيء، ولسنا في حاجة لأوهام الدين والإله كما يزعم.

وفي السياق نفسه - أي سياق سوء توظيف بعض النظريات العلمية التجريبية الحديثة - نجد صديق "ريتشارد دوكينز"، الفيزيائي المشهور "لورانس كراوس"، حيث اهتم بمجال النظريات الفيزيائية، بحكم تخصصه العلمي فيها، وحاول العزف على الوتر نفسه، أي توظيف هذه النظريات بما يخدم نظرية إلحادية تُقصِي الدين وتُلغي كل دور له ويمكن عدّ "كراوس" و"ستيفن هوكينز" و"ليوناردو مولديوف" في الفيزياء، و"ريتشارد" في البيولوجيا، من أبرز الدعاة في هذا العصر إلى نبذ الدين والألوهية، انطلاقاً من تأويلاتهم لبعض البحوث العلمية، بحكم تخصصهم الدقيق فيه، وهذا مشروع ضخم يعمل عليه هؤلاء الأعلام إلى جانب كثير من الباحثين، الهدف منه هو تبسيط العلوم والنظريات العلمية الحديثة، بحيث يتأتى للمثقف العادي فهمها، ومن ثم العمل على خلخلة أي توجه ديني ونشر الثقافة اللائكية اللادينية الملحدة، التي تمثل بزعمهم الثقافة الصحيحة، وتقابلها الخرافة والفكر الغيبي، أي الدين.

ومن أكثر المباحث العلمية التي زعزعت الوثوقية الفلسفية والدينية في عقول البعض؛ النظريات الفيزيائية الحديثة، خاصة ميكانيكا الكم والنسبية، حيث صارت الحقيقة نفسها محل جدال، وصار الحسم والجزم محل تشكيك وتساؤل، انتقل العلم من الوثوقية النيوتينية، إلى الاحتمالية الكمية والنسبية، خاصة مع اللايقين الذي أصَّلَه هايزنبرغ.

كيف لعلوم تجريبية تُأكد عدم الوثوق وتؤصل الاحتمال، وهي من أواخر ما توصل له العقل البشري، ثم يأتي أصحاب الأديان بنظرة دغمائية، ويزعمون أنهم على حق ودينهم صحيح واعتقادهم في المولى والعالم الغيبي مطابق للواقع ونفس الأمر، والأنكى من ذلك أنهم لا يقدمون إثباتاً تجريبياً يُدعِّمُ ادعاءاتهم، أي وثوقية في عصر اللايقين دون تقديم دليل مادي ملموس، وهذا بزعمهم غاية تنكب طريق العقل والعقلانية

تاريخ Jul 6, 2021