إعلان
إعلان

من منظور العالميْن الكبيرين وهبه الزحيلي وجمال الدين عطية: تجديد الفقه الإسلامي

منذ شهر|قراءة في كتاب

يتناول هذا الكتاب محاورة بين عالمين جليلين هما الدكتور وهبه الزحيلي والدكتور جمال الدين عطية، حيث يفصلان موضوع تجديد الفقه الإسلامي، ويضعان أسسه وقواعده والبدائل المقترحة، ويؤسسان لمشروع فقه إسلامي معاصر يراعي النواحي المتعددة لحياة المسلم المعاصر. ويكتب كل منهما بحثه وتعقيبه على بحث الآخر مستقلاً، وقد أصدرته سابقا دار الفكر بدمشق بالشراكة مع دار الفكر المعاصر ببيروت.

وفي قراءة لدوافع هذا العمل المميز ومحتواه، قال عبد الرحمن الحاج إبراهيم إن
الخطاب الإسلامي الفقهي ظل تقليدياً، قديماً، عاجزاً عن تلبية احتياجات الناس المستجدة ردحاً من الزمن، حتى استنكروا مصطلحاته، واستعجمت عليهم مفرداته، فكانت النتيجة أن تولى القانون الوضعي تصريف شؤون الحياة، وتُرك الفقه يُدرَّس للتبرك في حلقات العلم الشرعي ومدارسه ومعاهده، إذا ذاك شعر العلماء بضرورة استئناف الجهود الفقهية، لإحياء العمل بها، وردم الهوة فيما بينها وبين القانون من جهة، وتقليص أسباب الانفصام بين سلوك المسلم في علاقاته اليومية وبين أشواقه الدينية والتزامه بها من جهة أخرى، فيما عرف بالنهضة الإسلامية، وحركة التجديد الفقهي.
    من هنا تأتي أهمية موضوع "تجديد الفقه الإسلامي" الذي يتناول ضمن هذا الكتاب من سلسلة "حوارات لقرن جديد" المميزة التي تصدرها دار الفكر، ولكونه مشكلة داخلية (بين ـ إسلامية) في الدرجة الأولى، فقد كان من الضرورة أن يتولاه طرفان من داخل المنظومة الإسلامية، لا من خارجها. وهكذا كان الطرف الأول هو الدكتور جمال الدين عطية المختص في القانون من جامعة جنيف، ورئيس قسم القانون بكلية الشريعة في جامعة قطر سابقاً، والذي يشغل حالياً رئاسة تحرير مجلة المسلم المعاصر المعروفة.
    ومثل الطرف الثاني: الدكتور وهبة الزحيلي، رحمه الله، أستاذ الفقه وأصوله سابقا في جامعة دمشق، ومؤلف الموسوعة الفقهية المعروفة "الفقه الإسلامي وأدلته"، وخبير المجامع الفقهية في جدة ومكة والهند وأمريكا.

التجديد الفقهي المنشود

  قدم عطية بحثه بعنوان "التجديد الفقهي المنشود" الذي يفتتحه بهاجس التجديد الذي شغله لفترة طويلة، حيث يرى أن الدعوة إلى تجديد الكتابة في الفقه الإسلامي ليست جديدة، فقد سبق إلى ذلك بعض الأساتذة الكبار أمثال السنهوري وعبد القادر عودة... وغيرهم، كما أن التجديد كان هدفاً لبعض المؤسسات كمعهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية، ومعهد الدراسات الإسلامية بالزمالك، ومعهد الشريعة بجامعة القاهرة، كما أنه لم يكن غائباً عن مشروعات الموسوعات الفقهية التي بدأت بموسوعة جامعة دمشق، والتي انتقلت بعد الوحدة بين مصر وسورية لتصبح موسوعة جمال عبد الناصر، التي يُصدرها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ثم الموسوعة الفقهية بالكويت، وأخيراً الموسوعة التي يزمع مجمع الفقه الإسلامي إصدارها.
    يذكر جمال الدين عطية أن التجديد كما يتعلق بالموضوع يتعلق بالشكل أيضاً، وأن التجديد يقوم على أساس منهجي، ويجب أن يكون من داخل النسق الإسلامي. كما يشير إلى أن التجديد في الفقه وأصوله أيضاً، الذي كتب فيه منذ أكثر من عشرين عاماً (مجلة المسلم المعاصر 1974م) فاعترض عليه بأن الأصول ثابتة لا تتغير، ومع ذلك فإن هذا الموضوع الذي يحصر الحديث فيه هنا هو (التجديد في الفقه).
ينتبه عطية إلى أهمية العلاقة بين التجديد في (الفقه)، وبين التجديد في (أصول الفقه) باعتبارها علاقة وثيقة. فالتجديد في الفقه يقوم التجديد في أصول الفقه، بمعنى أنه إذا كان هناك تجديد في أصول الفقه فإنه ينبني عليه بطبيعة الحال تجديد في الفقه، ولكن التجديد في أصول الفقه قد يطول انتظاره حتى تتم بلورته ووضع القواعد المتعلقة به وفهمها، ثم تطبيقها في الفروع إلى أن يصل إلى فقه جديد مبني عليه. وهذا سوف يستغرق وقتاً طويلاً. وبالتالي إذا كانت هذه المشروعات تستغرق كل هذا الوقت الطويل، فلا مجال الآن لربط التجديد في الفقه بالتجديد في أصول الفقه، فالأمران يمكن أن يسير العمل فيهما معاً متوازيين، دون أن يتم تعليق أحدهما على تحقيق الآخر، وبالتالي يكون ما تمَّ تجديده في الفقه مؤقتاً حتى يتم اجتهاد فقهي جديد على أساس أصول فقه جديدة، فيستدرك التغيير ـ وهو جزئي بطبيعة الحال ـ في الطبعات اللاحقة حسب تعبيره.
يقدم عطية ملامح للتجديد الفقهي المنشود، ففيما يتعلق بالمادة الفقهية، يجب تقديم "اجتهادات جديدة في المسائل القديمة" بما يتفق مع تغير الظروف، ويذكر أمثلةً عديدةً، منها فقه الأقليات بعد اندماجهم في المجتمع، والتقسيم الفقهي للعالم إلى دارين أو ثلاث، إن هذا الاجتهاد لا يقلل من قيمة تراثنا الفقهي، كذلك يجب تقديم اجتهادات في المسائل المستحدثة، حيث لا يزال هذا الاجتهاد خائفاً وحيياً، بالرغم من وجود اجتهادات كثيرة في هذا المجال. كما يجب ربط الأحكام ببعضها، وربط الجزئيات بالكليّات (المقاصد العامة).يقترح عطية التوسع في مفهوم "الفقه" حيث يقترب من المفهوم اللغوي للكلمة، ثم المفهوم القرآني التي تجمع العقائد والأخلاق إلى جانب العمل والمعاملات. كما يجب أن نوضح الأحكام الضابطة لكل عمل من العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية المعاصرة، سعياً إلى ربط هذه العلوم ـ "المتفلتة" حالياً من ضوابط الشريعة، بمظلة الفقه.
    كما يرى عطية، أنه يجب إضافة مصادر أخرى إلى مصادر المادة الفقهية المعهودة، المتمثلة في كتب المذاهب، فيضاف مثلاً كتب الفتاوي والأقضية والنوازل والكتب الفقهية المعاصرة، سواء كانت لكبار المعاصرين أم للأجيال الجديدة من الباحثين في الماجستير أو الدكتوراه، والبحوث العلمية المقدمة إلى مؤتمرات أو ندوات، أو المنشورة في مجلات متخصصة، فضلاً عن قرارات المجامع الفقهية.إن من الملامح المهمة في التجديد الفقهي بث الروح في الكتابات الفقهية، فبيان الحكمة يحتل موقعاً مهماً للغاية. وأنه لابد لهذا التجديد الفقهي أن يقوم على دراسة مقارنة بين المذاهب السنية والمذهب الجعفري والزيدي والإباضي والظاهري، وآراء الأئمة المجتهدين التي اندثرت، كالأوزاعي والثوري، وابن أبي ليلى.. لأن هذه المقارنة تقوم بمهمة تذويب العصبية المذهبية، وتسهِّل مهمة التقنين، وتسهل مساهمته في القانون الدولي، كما أنه من الضرورة بمكان المقارنة بالقانون الوضعي لخدمة حركة التقنين الفقهي أولاً، وثانياً لبيان مخالفاته للشريعة الإسلامية الحنيفة. ومن الضرورة صياغة الشريعة بشكل نظريات وتصنيف المادة الفقهية تصنيفاً جديداً يُراعى فيه الوزن النسبي لمختلف الأقسام والأبواب حسب أهميتها والحاجة إليها، وعمل فهارس بالمصطلحات التراثية والحديثة، ثم قدم عطية اقتراحاً مبدئياً لهذا التصنيف، إضافةً إلى تيسير وتبسيط فهم الفقه، ومخاطبة المستويات المختلفة من الناس، وربط الفقه بالواقع؛ بما يستلزم استبعاد المباحث والأمثلة التي لم تعد موجودة في حياتنا، كالرق.
    وعلى ضوء ما قدمه عطية من ملامح للتجديد الفقهي، ناقش الأعمال الفقهية المعاصرة، ثم اقترح في القسم الثاني للبحث "تصوراً" للتصنيف الموضوعي لمدونة الفقه الإسلامي مختتماً به بحثه

  التجديد الممكن في الإسلام

أما الدكتور وهبة الزحيلي فقد كتب بحثه تحت عنوان "تجديد الفقه الإسلامي" مؤكّداً في مقدمته أن التجديد الممكن في الإسلام لا يقف أمامه التطور والتقدم. ومنذ البداية يضغط على الزحيلي هاجس "الضبط للاجتهاد" والخوف من العبث من خلاله. وهو ما يذكرنا بالهاجس نفسه عند الدكتور أحمد الريسوني في كتاب "الاجتهاد: النص، الواقع، المصلحة" الصادر في السلسلة نفسها.
    "من خلال الإحساس بواجب التفاعل مع التطورات والتخطيط للمستقبل الزاهر، كان لابد لنا من تبيان ضوابط التجديد، ومدى الحاجة إليه ومعرفة مجال التجديد ودواعيه، وتخليص الفقه مما انتهى وجوده تاريخياً وفات أوانه، كمسائل الرق والأرقاء، وبعض الافتراضات النظرية أو المذهبية الضيقة". إن الشريعة متكاملة لا تنفصل من العبادة إلى العقيدة فالمعاملات، الدنيا والآخرة،.. متفقاً في ذلك مع ما ذكره عطية في مبحثه السابق، ومؤكداً على مصدريتها القادمةٌ من الله سبحانه وتعالى، وليس للعقل فيها إلاّ دورُ المستكشف.
    يغمز الزحيلي ببعض محاولات التجديد قائلاً: "يؤسفني أن أصرح دون مجاملة أن بعض حاملي لواء التجديد المعاصر أغلبهم تتلمذوا في الغرب، وفي معرفتهم بالإسلام سحطيون، ويغلب عليهم الجهل، وهم نظريون لا عمليون، ويناقضون أنفسهم، ويصادمون نصوص الشريعة.. فهم مشبوهون أو جهلة، والمخلص منهم قليل".
    إن من ثمرة الدعوة إلى التجديد التمييز بين الشريعة باعتبارها الأحكام الكامنة في النص، وبين الفقه بوصفه فهماً لها، وهو بطبيعته بشري نسبي. ومرّة أخرى يفصح الزحيلي عن هاجس التخوف من الاجتهاد والتجديد إذ يقول: "إن الدعوة لتجديد الفقه الإسلامي مقبولةً ضمن إطار معين وبقيود وضوابط محددة، ولا تقبل هذه الدعوة على إطلاقها". الأمر الذي سيدفعه في آخر المطاف إلى إقامة مبحث بعنوان "ضوابط التجديد أو الاجتهاد في الفقه"! وهو ما يعكس تردداً وتخوفاً، بقدر ما كان يعكس بحث الدكتور عطية إقداماً وجرأة ومبادرة لا تحتمل التأجيل، فالأول يميل إلى الإحجام والثاني يميل إلى المبادرة، من وجهة نظر الحاج إبراهيم عبد الرحمان.
    الحاجة إلى التجديد ـ حسب الزحيلي ـ تبرز فيما إذا ترتب ضيق ومشقة على تطبيق الحكم الشرعي. أو منافياً لمصلحة أو مقصدٍ تشريعي، أو كانت المسألة حديثة النشأة. ويركز على أهمية المصطلح في عملية التجديد ونتائج سوء استخدامه، كما يرى أن حاجة التجديد توجد أيضاً في قضية البدائل الإسلامية.
    والتجديد هنا يدخل في سياق مقولة "الثوابت والمتغيرات" ويتأطر بإطارها، حيث تتحدد حدود المتغيرات في إطار الثوابت ويستمد التجديد مشروعيته من مبدأ تغيير الاجتهاد، أي من المتغيرات. ذلك الاجتهاد المناط بالمؤهلين والمتخصصين، وهو أمرٌ نادر ودقيق، وتبعاً لذلك يتحدد ما يجوز الاجتهاد فيه وما لا يجوز، فمجال الاجتهاد أمران: "ما لا نصَّ فيه أصلاً، أو ما فيه نصٌّ غير قطعي، ولا يجري الاجتهاد في القطعيات".
    ويرى الزحيلي أن طرق التجديد خمسة، الطريقة السلفية، أي العودة إلى فقه السلف والتخلي عن فقه المذاهب، أو الطريقة الانتقائية حَسْب ما تهوى النفس وتشتهي، والطريقة العدوانية: التي تدعو إلى التخلص عن الفقه الإسلامي والسير نحو الحداثة، ولكن "ما قيمة الدين الذي لا يحترم فيه النص؟!" حسب تعبير الزحيلي. والطريقة التقريبية: أي تقريب المذاهب والفقه إجمالاً إلى القانون الوضعي، من خلال تأويل النصوص الفقهية، وهي ـ كما تنبه الزحيلي ـ تجعل الفقه تبعاً والقانون الوضعي أصلاً!!..، والطريقة التي تمضي على الأدلة الشرعية التي يراها معتدلة ومتوازنة وصحيحة، وانطلاقاً منها يؤرخ للتجديد مراجعاً حقب التاريخ المختلفة بدءاً من عصر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

 ونشير إلى أن هذا العمل المنهجي والاجتهادي الرصين الذي يشكل قاعدة معرفية صلبة وتأصيلية في الموضوع، يعد مرجعا أساسيّا لكل طالب عالم في حقول الشريعة ومهتم بالثقافة الإسلامية العامة، ناهيك عن الباحثين المتخصصين، وهو متوفر لدى دار الوعي الجزائرية التي تمثل الوكيل الحصري لمنشورات دار الفكر.

تاريخ Jun 20, 2020