إعلان
إعلان

بين الالتزام الأخلاقي والتفكير النقدي: دراسة حول "سلطة المثقف"

منذ 19 يومًا|قراءة في كتاب


صدر حديثا كتاب " سلطة المثقف بين الالتزام الأخلاقي والتفكير النقدي: من أجل ثقافة عضوية بديلة"، للباحث الدكتور عبد اللطيف الخمسي، عن دار الأيام الأردنية، ذلك أنّ الطابع الإشكالي للمثقف يكمن في كونه يشكل مجال تقاطع بين الهم الفكري والممارسة العملية. وهذا ما يؤسس تمفصلا واضحا ومعقدا بين الفلسفي والسياسي.

وقال المؤلف إنه من الصعب مقاربة "ماهية المثقف"خارج مرجعيات وتصورات فلسفية تهم المثقف ذاته وإنتاجه ورهاناته ككائن معرفي. كما أن التفاعل بين المثقف ومجال الممارسة يستدعي مراعاة ذاته كفاعلية ثقافية وفكرية، ضمن شروط مادية معطاة، وهو ما يحيل ضمنا إلى قضية سياسية، ليست بالمعنى المباشر، وإنما كحقل يهم معضلات اجتماعية وتنظيمية وقانونية، وكذا سياسية.

وفي هذا الإطار يتحول السياسي إلى أفق "فلسفة للمثقف" ومرجعياته النظرية. كما يصبح الفلسفي مدخلا جوهريا لتناول قضية المثقف ضمن مشاريع سياسية محددة. فقضية المثقف تشكل مسألة فلسفية، وهذا يؤكد أن عجز المثقف أمام إكراهات السياسة وتحدياتها، يرجع في الغالب إلى ضمور في "الإنتماء الفلسفي، حتى وهو يحاول رفع شعارات إيديولوجية محددة. والمغامرة في المجال السياسي، أو حتى الحياد يمثلان أزمة نظرية وليس فقط عملية.

ولذلك يسأل الكاتب: فكيف يختل إذن وضع المثقف بين الفلسفة والسياسية؟ كيف يغدوا اضطراب المثقف أمام أوضاع اجتماعية محددة عنوان أزمة ثقافية ثم سياسية؟ ما أسباب اهتزاز الفعل الذي يمارسه المثقف سياسيا، في ظل غياب أسس وأصول فلسفية محددة؟ أليس الضمور الفلسفي للمثقف، محاولته اختراق عالم السياسة من دون معرفة محددة. هما من أسباب نكوصه؟

ويجيب الباحث بالقول إنّ التأسيس الفعلي للمثقف البديل يمثل رهان فلسفة نقدية جوهرها الربط بين الفعل الفلسفي وعقلنة الرهان السياسي. من هنا يمثل مدلول سلطة المثقف مدخلا لتلمس قضايا جوهرية. كما أن الرهان الفكري الحداثي الخاص بالمثقف، أو ما يساهم فيما يعتبره الكاتب إحلال مسافة رمزية بين المجتمع والسلطة السياسية. هذه المسافة يجب أن يخلقها المثقف باعتباره حلقة أساسية في مسار التحول، بل هو بؤرة جديدة، تحدد دوره كوسيط نقدي بين المجتمع والسلطة، ووفق فهم سديد للمشاريع النوعية المنشودة. والفلسفة النقدية قادرة (وعلى أساس الإبداع) أن تعطي للمثقف طاقة تحويل المجتمع ضد تراجعاته، ولأجل سلطة عقلانية، تتجاوز منطق التسلط.

هكذا يتحدد مصير المثقف، يضيف المؤلف، بين إرادته في المعرفة والنقد، وهو رهان فلسفي، وبين سلطته الإجتماعية، وهو إشكال سياسي ومدني.

وفي هذا الإطار تطرح إشكالات فلسفية معاصرة تهم المثقف في الصميم، مثل: الاختلاف كتوجه فكري/ قيمي في حاجة لتأسيس يفرض تعاملا نوعيا مع التراث ومرجعيات فلسفية تهم المثقفين مثل نظرية المثقف العضوي و"موت المثقف"، إضافة إلى التغيير السياسي، والتطبيع. وكل هذا يبين أن المثقف هو مشروع فلسفي- تاريخي لم ينجز بعد في نسق وجودنا الاجتماعي وملابسات حضوره. إنه السؤال الفلسفي الذي يطرحه المثقف حول ذاته وإمكانات حضوره السياسي، في ظل وضع مركب يتجاوز بقوة المفاهيم والمقولات والمنظومات المرجعية الفكرية مما يتطلب إبداعا في القول والتفكير ونمط التعبير وليس ترديد المثقف لأطروحات رائجة من دون عمق فلسفي واشكلة جديدة للذات والواقع وفق المتغيرات الجديدة.

فهل يراهن المثقف على تجاوز السلطة دون التمييز بين السلطة والتسلط ودون السقوط في طوبى السلطة؟ أليس سؤال الهوية من صميم المثقف الفعلي؟ إننا في حاجة إلى المثقف المبادر وصاحب السبق الثقافي والفكري، يقول المؤلف، وليس الذي يحاور على هامش خطاب السلطة وبخجل وخوف وموجه من الخلف ولا يتناول إلا القضايا التي تثيرها السلطة.

ويعتقد الباحث الخمسي أن مثقفنا المحلي، بقدر ما يعاني من هيمنة السلطة ووصاية العامة، بقدر ما ينزع نحو التبرير أو الصمت متخلفا عن رسالته وهي: النقد وعدم الإذعان لثقافة العامة والجموع.

وتابع إن المثقف رغم نزوعه الجماهيري، ففكره من صلب النخبة المفكرة، وعليه أن يكون كذلك شريطة دفاعه عن القيم الإنسانية والكونية، وبلغة كانط مع الشعب وضد الحس المشترك والعامة في نفس الوقت.

وأردف إن المثقف الفعلي في حاجة إلى انخراط في البناء المعرفي والالتزام الاجتماعي والسياسي، وهو ما يعكس تعدد وظائف المثقف، حسب نمط وأبعاد المتغيرات الاجتماعية المحلية والكونية.

في هذا الإطار يتطلب من المثقف الفعلي، أن يتملك نظرية فلسفية ومعرفية وعدة منهجية، ليمارس التحليل والتفسير ويؤسس مشاريع فكرية، ويقارب القضايا الأساسية وليس الإذعان للتبرير أو الممارسة البراغماتية المفروضة عليه إما من طرف السياسي، أو الخطاب الإيديولوجي، الذي يرفع لواء الواقعية وموت الفكر ونهاية الفلسفة والإيديولوجيا، وهي شعارات ساهمت في قتل المثقف.

واعتبر أن تجديد وظيفة المثقف تتطلب التجديد والتطوير من خلال ربط علاقات نوعية بمجالات جديدة أساسية مثل: المجتمع المدني والتربية والإعلام والمجال العمومي وما يتعلق بصناعة الرأي العام دون نسيان قطاع الإبداع الفني والجمالي وسؤال الدين، إضافة إلى تتبع شؤون شرائح اجتماعية جديدة.

في هذا السياق يتحدد المثقف بالمسألة السياسية من جهة وقضية التغيير الاجتماعي من جهة أخرى. ويهم هذا جميع أصناف المثقفين، رغم صعوبة تصنيفهم فكريا وفلسفيا وإيديولوجيا.

هناك تحديات أمام المثقف تتمثل، بسحب المؤلف، في قدرته على تجاوز سلطة المفاهيم المتداولة في الشأن الثقافي والسياسي من أجل تفكيك مضامينها وتطوير أدائها ووظيفتها.إضافة إلى ضرورة إبداعه خطابا فكريا واضحا ومتميزا عن خطابات أخرى رائجة ومهيمنة.

وقال الباحث إن أساس كل تناول نقدي عقلاني وواقعي للمثقف يجب أن يرتبط بالتشخيص الشامل للأزمة السياسية والإجتماعية، وبكشف شروط الاستنهاض الثقافي ووظيفة جديدة، للمثقف والتفكير في طرق جديدة للإبداع والتعبير، دون نسيان نقد السياسة المنتهجة، التي مازالت تقتل المثقف والفكر، من هنا ضرورة التفكير في إستراتيجية نوعية جديدة، لميلاد المثقف الفعلي، ومن خلال مجابهة أطروحات من قبيل: موت المثقف، والتضخيم من شأن السياسي، والإعلامي، مما يخدم العقل السلطوي بامتياز.

وأكد عبد اللطيف الخمسي أن المثقف الحالي يعكس أزمة انتقال ديمقراطي، وتحوله إلى آلية في يد نخبة سياسية متخلفة، دون نسيان إخفاقه في تسيير الشأن العام، كما أن تجارب الربيع العربي، إن على صعيد الفعل أو تملك السلطة أو المشاركة فيها، بينت ضعف النخبة المثقفة.

ولإحاطة الإشكالية عالج الباحث الخمسي الموضوع عبر 11 فصلا، تناول خلالها المثقف النقدي ومطلب الالتزام مجددا، المثقف والسياسة وتناقض الرهانات، المثقف والسلطة وإشكالية الحداثة السياسية ، المثقف وإشكالية التغيير، المسألة اللغوية وإشكالية القداسة (المثقف ورهان عقلنة اللغة)، قضايا الإصلاح والتحديث في المغرب المعاصر (المسألة الثقافية وأزمة النخبة)، المثقف النقدي ومشروعية فكر الاختلاف، المثقف بين إشكالية الهوية الثقافية وخطاب العولمة، الديمقراطية ومسؤولية المثقف وقضايا الحداثة السياسية (رؤية نقدية لتداعيات الربيع العربي)، المثقف الديني وإشكالية التنوير، المسألة الثقافية وتحديات الواقع والممكن (من أجل وظيفة جديدة للمثقف).

تاريخ Mar 14, 2020