إعلان
إعلان

الغزل الجزائري.."بومبا".. "زلّة".."بابيشا".."موسطاشا".. عندما يتحوّل الحب إلى ساحة حرب

منذ شهر واحد|روبرتاج


لا يعتبر الغزل مجرد لغة أو مصطلحات يطلقها الرجال في حق النساء أو النساء في حق الرجل، ولكنها لغة تحيل إلى المكنونات الإجتماعية
وطريقة تفكير البيئة التي تنتشر فيها.
هل يعرف الجزائريون الغزل؟ سؤال يحيلنا إلى التطورات التي عرفها المجتمع الجزائري، وطريقة تعاطيه مع المرأة، فإلي وقت قريب، كان الزوج لا ينادي زوجته باسمها أمام الأهل والأصدقاء، ويكتفي بمصطلحات تعوضها مثل "المرا".. "الدار" أو "يمات الأولاد".. وغيرها، لكن مع مرور التطورات والهزات التي عرفها المجتمع، لم يعد الرجل الجزائري يجد حرجا في مناداة زوجته باسمها أو حتى باسم الدلع أمام الغير، وصار أيضا الغزل لغة متداولة، ولكن كيف يغازل الجزائريون المرأة؟ خاصة وأننا كمجتمع معروفين بالخشونة والجدية المفرطة.
كما تظهر الحقائق والتجارب أن الرجل الجزائري عادة ما يستعمل قاموسين، قاموس مع زوجته، وآخر مع صديقته أو حبيبته.
ينطوي خطاب الغزل أو المعاكسة عند الشباب الجزائري على معجم لغوي يحمل دلالات خطيرة، تحيل إلى الفقر العاطفي وجفاء العلاقات الإنسانية لدى الجزائريين، الذين تحولوا في السنوات الأخيرة إلى تبني خطاب العنف وتمجيده بشكل غريب، يدعو للتساؤل.. حتى أصبحت طريقتهم في الغزل فريدة من نوعها، وظاهرة تستدعي الدراسة، حيث يعرف الجزائري ليس فقط بأن "رأسه خشين" لكن أيضا شخص يفتقر للرومانسية، ولا يحسن التعبير عن الحب خارج لغة العنف والغلاظة.
واكبت لغة الغزل والمعاكسة عند الشبان الجزائريين كل التطورات اللغوية والتقلبات الإجتماعية والسياسية التي مرت بها البلاد، فعبارات ومصطلحات المتداولة بين الشبان فيما مضى كانت على شكل "يا اختي شحال شابة، لو كان جا عندي نحطك في عيني"..."نحبك ونموت عليك"... لكنها تغيرت إلى عبارات ومصطلحات مثل "البومبة" و"الموسطاشا"... وغيرها من "الروائع" التي صار شبان اليوم يبدعونها في التغزّل بالنساء، مع العلم أن حتى تلك العبارات التي يبدعها شبان في اصطياد الفتيات تصبح ممنوعة بعد الزواج.. والرجل الذي كان يتغزّل بفتاة في الشارع، لا يتلفظ مطلقا بتلك الكلمات في بيته.
ولعل مصطلح "البومبة" أحد مخلفات الأزمة الأمنية وتأثيراتها على قاموس الجزائريين، فصار الشاب يلقب حبيبته أو صديقته "زلّة" أو "بومبة" تعبيرا عن جمالها وأناقتها، فأنوثة المرأة في أذهان جيل الإرهاب كما يسمى مثل قنبلة تنفجر في أي لحظة في الشارع، وقوة الكلمة التي كانت مرادفا للرعب والهلع في أوساط الجزائريين زمن التسعينيات فالقنبلة بالنسبة لهم وصف مثالي يطلقونه على المرأة الجميلة والأنيقة والمثيرة.
.. مع تراجع حدة الأزمة الأمنية التي عرفتها البلاد وانفراج الأوضاع، ظهر مصطلح آخر أكثر غرابة وهو “ڤريفة”، و”الڤريفة” في لغة الشارع الجزائري، هي الماركة الغالية الثمن، فصارت كل امرأة أنيقة وجميلة هي “ڤريفة” أو “بوكو حطة” في أعين شبان الشوارع.
ومع تطور المجتمع وظهور أجيال جديدة، انتشرت لغة الوسائط الاجتماعية الجديدة، وانتقلت مصطلحات حديثة إلى لغة الغزل في الشارع الجزائري، مثل "فليكسي" وتعني أن الفتاة الجميلة والأنيقة تستحق أن ترسل كتعبئة على الهواتف النقالة وهي العبارة التي عوضت مصطلحات وعبارات أخرى من زمن العولمة والإنفتاح، مثل "حبة نوميريك"، والفتاة التي تحظى بهذا اللقب هي شيء استثنائي ونادرة ومثيلاتها، غير موجودات، وقد نقلت هذه العبارة من أغنية رايوية.
أما حاليا، فإن بعض الشبان يعلقون على الفتاة الجميلة بالقول “لو كان جيت نعرف مدير الضرائب نقولو يبعثلك لاطاكس على الزين نتاعك” والعبارة تعني “لو كنت أعرف مدير الضرائب لقلت له أن يرسل لك رسوم الضرائب على جمالك”.
ويربط الدارسون في علم الاجتماع بين التغيرات التي شهدها المجتمع الجزائري، وبين لغة الشارع في مختلف أوجهه، حيث تأثرت لغة الشارع بما مرّ على البلاد من تغيّرات اجتماعية واقتصادية. فكلمة “شريكتي” مثلا التي قد يلقب بها الشاب الفتاة في الشارع تحيل إلى زمن الركض وراء الربح السريع وطغيان لغة المال.
وقد أشار بعض من درسوا العلاقة بين لغة الجزائريين وبين التغيرات الاجتماعية، إلى أن ثمة علاقة بين لغة الغزل والمعاكسة في الشارع الجزائري والعلاقة بين الرجال والنساء في الفضاء الأسري والمجتمعي، فالشاب الذي انتقل والده من الريف إلى العاصمة، واصطدمت عائلته بقيم لم تكن معروفة لديها من قبل، أصبح لزاما عليها أن تبدع في المقابل أطرا جديدة للعلاقات بين الرجال والنساء، وهي حصيلة التربية المحافظة والبيئة الجديدة، لكنها طريقة توليفية لم تكن دائما ناجحة، ما يخلق اصطدامات وتشنجات في العلاقات الإجتماعية، وبالمقابل يحاول الشاب الذي يقضي جلّ وقته متسكعا في الشوارع، بسبب أزمة السكن وغياب المرافق الترفيهية القادرة على امتصاص الأعداد الكبيرة للمتسرّبين من المدارس، إظهار سلطته وممارسة “رجولته”، وتواصل مؤسسة الأسرة ترسيخ قيم الرجولة فيه، لكن عادة لا يجيد الشاب تسويق رجولته، فيصطدم بأبيه.
وطبعا يتقاسم الشبان فيما بينهم في فضاءاتهم الخاصة قصص الإيقاع بالبنات في الأزقة وشوارع المدن والأحياء.
وخرجت لغة الشبان وتعبيراتهم الغزلية في الشوارع من الفضاءات الخاصة الى التعبير الفني حيث تَبرَع أغاني الراي في في تخليد روائع الغزل الجزائري، الذي يدعو بشكل مثير للعنف والتحريض على القتل في بعض الأحيان، زيادة إلى السخرية من مشاعر الحب إلى أدنى المستويات، فالشابة دليلة مثلا التي تقول في إحدى أغانيها ”اللي ما عندهاش لاطاي تخلص ليزامبو” أي من لا “تملك قواما رشيقا يجب أن تدفع الضرائب”.. هي تعبير صريح عن الحط من قيمة المرأة في عين الرجل وتحويلها إلى سلعة، وأغنية الشاب خالد الذي يخاطب حبيبته فيقول لها ڤلبي وڤلبك عند البوشي معلقين" تشبه فعلا مشاعر الحب بين قلبين إلى وجبة لحم يعلقها الجزار على باب المحل.
وإذا كان المشارقة يتغزلون بعيون الحبيب والحبيبة واصفين إياها بالحدائق والبحر والقمر، فإن الشابة يمينة عندنا لا تتردد في مخاطبة حبيبها وتقول “عينيك ياعينيك، عينيك حب رصاص”، وعز الذين الشلفي في أغنيته “هاكي البيا، تيري عليا” يحاول إظهار مشاهد العتاب بين حبيبين ويشبهها كأنها معركة يتم فيها تبادل إطلاق النار.
ربما لهذا أصبح الجزائري استثناءا في التعبير عن مشاعر الحب والإعجاب بالمرأة.

روبورتاج: نعيمة . م

تاريخ Jan 26, 2020