إعلان
إعلان

كتاب "دور المسلم ورسالته" لمالك بن نبي

منذ 18 يومًا|قراءة في كتاب



  يُروى بتواتر عن مفكّر الإسلام وفيلسوف الحضارة في القرن العشرين، مالك بن نبي، رحمه الله، قوله لزوجته في آخر حياته "سأعود بعد ثلاثين سنة وسيفهمني الناس"، فقد عاش محاصرا في عصره، ومضايقا في أفكاره، غير أنه كان واثقا تماما أنها سَتُفَعَّلُ في يوم ما، وها قد صدقت نبوءة الرجل العملاق اليوم بعودة النخب الإسلامية في مختلف المستويات إلى مُدارسة رؤاه التي سبق بها زمانه قبل 75 عاما، وجعلت قيادات دول من قيمها الفلسفية والعملية مرتكزات لنهضتها الجديدة!
لقد كان بن نبي يؤمن أنّ "المشروع الإصلاحي يبدأ بتغيير الإنسان، فالإنسان هو الهدف و نقطة البدء في التغيير والبناء "، لذلك كرس حياته للبحث في مشكلات الحضارة، وبذل جهدًا كبيرًا لفهم مقوماتها.
ودفعًا لاهتمام القرّاء بمطالعة الكتاب في ظل الحجر الصحّي هذه الأيام، وتعميما للفائدة المعرفية الراقية التي حملها فكره الإسلامي النيّر، فقد ارتأى "الحراك الإخباري"، أن يعود إلى بسط تصورات الرجل الأساسيّة، من خلال عرض لأبرز مؤلفاته العالميّة ، واليوم سيكون موعدنا مع كتاب " دور المسلم و رسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين ".
الكتاب عبارة عن محاضرة أو بالأحرى محاضرتين ألقاهما الأستاذ مالك بن نبي سنة 1972 في مدينة دمشق بسوريا، و هو عائد من رحلة الحج الأخيرة له، ويلقي فيهما وصيته الأخيرة، إذ يتلمس في ضمير أجيال المسلمين الخروج من أزمتهم الراهنة.
انطلاقا من الآية الكريمة "و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا" يحدد مالك بن نبي دور المسلم الذي اختاره له الله في التاريخ ، و يضيف أن تخصيص القرن العشرين كتاريخ أو كفترة هو لسببين أولها لطبيعة هذا القرن، حيث تحققت فيه تغيرات جذرية، و الإنسانية وصلت إلى نقطة اللارجوع ، و ثانيها هو الأحداث ذاتها التي حدثت خلاله ، سواء في مجال العلم أو في المجال النفسي، الأخلاقي و حتى الديني.
كما يتميز هذا القرن بوجود مركز الفكر العالمي على محور "واشنطن –موسكو" و هو محور القوة ، العلم و الحضارة .
فبعد أن فقدت الشعوب التي تعيش على هذا المحور مسوغاتها من رصيدها الثقافي و حياتها التقليدية الموروثة نتيجة ضريبة هذا القرن و ما حدث خلاله من حروب واستعمارات وتطور صناعي وثقافي ، بدأ هذا العالم المتحضر يعيش أزمة حقيقية، فبعد أن شبعت البطون أصبحت الأرواح متطلعة و لما لم تجد بديلا أو سندا دينيا ثقافيا انهارت و استقالت من الحياة و هذا ما يظهر في حوادث الانتحار في أرقى الدول الأوروبية و ظاهرة تعاطي المخدرات إلى غيرها من الموبقات.
و تحدث بن نبي كثيرا عن الانحدار و التراجع المخيف في شتى المجالات، الذي مس المجتمعات الأوروبية و الأمريكية، و قال بأن الإفلاس هو طريق البداية، أي يجب أن يفلس التاريخ حتى نعلم أنه قد حان وقت التغيير.
ويضيف بن نبي أن الدين لم يسلم هو الآخر من أحداث هذا القرن، المسيحية بدأت تتقلص مساحتها و هناك بعض الديانات اندثرت تماما ، مع ظهور الشيوعية التي يعتبرها بن نبي دينا، بالمقابل نرى أتباع الإسلام يزيدون و انتشاره يتسع مع زيادة عدد السكان على محور (طنجة -جاكارتا)، إذن الإنسانية تسير نحو قطب يتحقق فيه معنى الآية الكريمة " و هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله "، و من هنا يأتي دور المسلم في هذا القرن ليسد الفراغ في النفوس المتعطشة المنتظرة للمسوغات الجديدة، لكن عليه أولا أن يرفع مستواه إلى مستوى الحضارة أو أعلى منها، و بذلك يرفع الحضارة إلى قداسة الوجود والى ربانية الوجود و لا قداسة لهذا الوجود إلا بوجود الله.
لخّص بن نبي في كتابه كل ما تحدث عنه في مؤلفاته السابقة من أن المجتمعات الأوروبية تعيش حضارة كمية، حضارة رمت بكل قدسية عرض الحائط ، عكس المجتمعات الإسلامية التي و رغم تراجعها اقتصاديا و حضاريا، إلا أن القاعدة الأخلاقية لم تتغير (في ذلك الوقت)، و هذا ما قد يساعد المسلم في تأدية رسالته.
أما عن رسالة المسلم فيضيف بن نبي أنها تتمثل في إنقاذ نفسه و إنقاذ الآخرين، و هذا لا يأتي إلا بتحقيق شرطين مهمين :الاقتناع و الإقناع ، ففاقد الشيء لا يعطيه، و كي تقتنع برسالتك، عليك بتغيير نفسك، مصداقا للآية الكريمة "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

ونشير في الختام أن هذا الكتاب الذي نشرته دار الفكر بدمشق في طبعة أنيقة، متوفر حصريّا بالجزائر لدى "دار الوعي"، مثلما لديها "المجموعة الكاملة لأعمال مالك بن نبي" لكل من يرغب في الاستفادة منها، حيث يمكنه التواصل معها عبر حسابها الرسمي على مواقع التواصل الاجتماعي.

تاريخ May 10, 2020