إعلان
إعلان

مبدأ الأخوّة والمحبّة

منذ شهر واحد|دين

الحمد لله الواحد الأحد الذي ليس كمثله شيء وهو الذي خلق كل شيء والصّلاة والسّلام على
سيّدنا وحبيبنا محمّد أكرم النّاس على الله وأتقاهم لله ورضي الله عن آله صحبه
أجمعين

إنّ من أهمّ المقومات التي تقود النّاس إلى الرّقي والازدهار هي الأخوّة بين أفراد المجتمع إذ تجمعهم روابط الوطن والدّين والقومية فتنتج عن هذا الشخصية الحقيقية والهوية، فالمرء مهما كان انتماؤه فهو جزء لا يتجزأ من وطنه سواء كان ذكرا أو أنثى فلا بد أن يحبّ هذا الوطن ويعمل على تقدّمه وازدهاره لينافس الأمم الأخرى بالعلوالعمل، فكلّ امرئ له تاريخ وآثار وذكريات في وطنه الذي ترعرع فيه، فلا يمكنه أن ينسلخ منه لأنّه وطنه ووطن آبائه وأجداده حتىّ وإن عاش المآسات والمعانات يبقى وفيا ومخلصا لبلده وأرضه، فهذا نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم الذي عان من كفّار قريش ومشركيها سيما بعد البعثة وظهور النّبوّة، كان يدعو النّاس إلى الله تعالى سرا بمكة لمدة ثلاث عشرة سنة، فلما أذن له الله تعالى بالهجرة من مكة إلى المدينة، فعند خروجه من مكة وهو في طريقه إلى المدينة توقّف عند مكان يسمى الجحفة فرفع رأسه إلى السّماء وقال: "اللّهُمَّ إَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُم أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ البِلاَدِ إِلَيَّ فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ البِلاَدِ إِلَيْكَ" (رواه الإمام الحاكم في المستدرك) فأسكنه الله تعالى المدينة فهي أحبّ البلاد إليه تعالى، قال الله تعالى في الآية 85 من سورة القصص: " إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ. قُلْ رَبِّيَ أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ " فقيل "معاذ" هي الجنّة وقيل هي يوم القيامة وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّها مكة المكرّمة. فكم كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يحبّ وطنه ويتمنّى له كلّ الخير والازدهار مع أنّه لم يكن يملك الثروات والممتلكات مثل أولائك الكفرة المشركين الذين يجمعون الأموال بالحرام ويستحوذون على الأراضي بغير حقّ ويجمعون الثروة بالطّرق المحرّمة فقلوبهم لا تحمل المحبّة لمكة بقدر ما تكنّ العداوة والكراهية للمستضعفين من أبناء بلدهم، فيبغضون إخوانهم وبلدهم، فكلّ ما يهمّهم هو جمع الأموال والفساد والهيمنة حتى وإن كانت على حساب الوطن والأمّة بخلاف النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي لم يحمل في قلبه مثقال ذرة كراهية لبلده (مكة) ولا لقريش التي اعتدى عليه أهلها وظلموه وأرادوا أن يقتلوه لولا حفظ الله تعالى الذي عصمه منهم ورعاه بعين رعايته فكان دائما يتمنّى كلّ الخير لقريش حتى بعد الهجرة كان يقول في حديث رواه الطّبراني عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " حُبُّ قُرَيْشٍ إِيمَانٌ وَبُغْضُهُم كُفْرٌ حُبُّ العَرَبِ إِيمَانٌ وَبُغْضُهُم كُفْرٌ وَمَنْ أَحَبَّ العَرَبَ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَ العَرَبَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي ". إنّ كلّ من يحمل الإيمان والإخلاص في قلبه يبقى وفيّا لربّه تعالى ولوطنه ولشعبه، أمّا الذي ينبض قلبه بالظّلم وتسبح نفسه في الفساد فلا يُؤْمَن جانبه ولا ينفع نفسه ولا وطنه،

فمثل هؤلاء لا يعرفون الحبّ لبلدهم ولا لإخوانهم فكلّ ما يهمّهم هو النّهب والسّرقة وكثرة المال والسّيطرة ليحفظوا أموالهم وثروتهم، وتراهم إذا ما انكشف أمرهم يفرّون إلى خارج أوطانهم ويغادرون بلدهم بهذه الأموال التي يستثمرونها هناك فهذا حالهم وحال جميع من لا يدخل الإيمان بعد في قلبه، فكثير من النّاس من يشبه كفّار قريش في أنانيتهم وجحدهم واستبدادهم وكفرهم وعنادهم، والحقيقة أنّ الطّمع والبخل والسّيطرة هي صفات النّاس إن لم يطردها الإيمان والإخلاص لله ربّ العالمين، لقد روى الإمام أحمد وابن حبان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ نَخْلٍ لَتَمَنَّى مِثْلَهُ، ثُمَّ تَمَنَّى مِثْلَهُ، حَتَّى يَتَمَنَّى أَوْدِيَةً، وَلاَ يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إَلاَّ التُرَابُ ".

فالإيمان عندما يسكن القلب حتما يغيّر ما فيه من الفساد إلى الصّلاح ومن العداوة إلى الأخوة، ويطرد هذه  لأمراض الخطيرة التي تلوّث المجتمع وتحجزه بل تسجنه حتّى لا يترقى ولا يزدهر، لذلك أمر الله تعالى عباده أن يكونوا مؤمنين متعاونين على الخير والتّقوى ومجتنبين المنكر والظّلم والخراب، قال الله تعالى في الآية 104 من سورة آل عمران: " وَلْتَكُنْ مِنْكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ "، وقد أفادنا القرآن الكريم بمعنى الأخوة التي يقودها الإيمان الصّادق والتي تدعو إلى الإصلاح بين النّاس والمحافظة على تلاحمهم وتراحمهم، قال الله تعالى في الآية 10 من سورة الحجرات: " إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ "، فعلى المؤمن أو المؤمنة أن يجسّدوا هذه الأخوة في الصّلاح بين أبناء الوطن وحسن العمل والمعاملة مع كلّ النّاس واستعمال الرأفة والسّلم مع المؤمنين، روى الإمام البخاري وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " المُؤْمِنُ مِرْآتُ المُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنُ أَخُو المُؤْمِنِ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَ يَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ "، فهكذا ينبغي أن يكون الجزائريون فيما بينهم وكلّ المسلمين تجمعهم هذه الرّوابط حتّى ينهضوا وينجزوا وينافسوا الأمم الأخرى، فالإيمان هو الذي يقوّي هذه الرّوابط بين النّاس ويقارب بينهم بالأخوّة والسّلامة والكرامة، لقد روى الإمام البخاري ومسلم والترمذي عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " المُؤْمِنُ للمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا "، فالمؤمن كله منفعة وخير، يفيد النّاس ولا يضرّهم ويحفظ لهم أمانتهم وسرّهم ولا يخذلهم ولا يظلمهم ولا يخونهم ولا يخيّبهم، روى الإمام أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " المُؤْمِنُ مَنْفَعَةٌ: إِنْ مَاشَيْتَهُ نَفَعَكَ، وإِنْ شَاوَرْتَهُ نَفَعَكَ، وإِنْ شَارَكْتَهُ نَفَعَكَ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ مَنْفَعَةٌ "، إنّ علاقة المؤمن بأهل الإيمان بمنزلة الرّأس من الجسد، لو أصيب المؤمن بمكروه لتأثّر المؤمنون لما أصابه وتراهم يقفون معه ويسألون عن سلامته وراحته وإن أصابه خير اطمأنّوا له وشجّعوه على ذلك فهم معه في السّراء والضرّاء، لقد روى الإمام أحمد عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " المُؤْمِنُ مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ، يَأْلَمُ المُؤْمِنُ لِأَهْلِ الإِيمَانِ كَمَا يَأْلَمُ الجَسَدُ لِمَا فَي الرَّأْسِ"، والمجتمع الجزائري هو مجتمع متلاحم متعاون يتميّز بأسمى صفات الأخوّة فأغلبيته من المسلمين يتّصفون بهذه الفضائل والمحاسن فالأسخياء المخلصون يساعدون الفقراء والمحتاجين دائما في كلّ المناسبات لا يتخلّون عنهم أبدا، في رمضان يفتحون بيوت الرّحمة لإخوانهم الصّائمين من ذوي الحاجة وابن السّبيل، وآخرون من الكرماء الجزائريين يعينون العائلات المعوزّة واليتامى والمساكين بمناسبة عيد الفطر لشراء الملابس ويعينونهم بأضحية عيد الأضحى فيدخلون عليهم السّرور وهذا من أحبّ الأعمال إلى الله تعالى يتميّز بها بعض الأسخياء المحسنين، روى الإمام الطبراني عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ بَعْدَ الفَرَائِضِ إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى المُسْلِمِ "، وهذا العمل الخيري الذي يقومون به ليسعدوا إخوانهم ويبعثون فيهم البهجة والطمأنينة فيسدّدون لهم ديونهم ويطعمونهم لوجه الله تعالى، روى الإمام البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " أَفْضَلُ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَنْ تُدْخِلَ عَلَى أَخِيكَ المُؤْمِنَ سُرُورًا أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا أَوْ تُطْعِمُهُ خُبْزًا "، لقد امتثلوا لوصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالفقراء ورفع الضّرّ عن المصابين على قدر الإمكان، فإنّهم ينفقون أموالهم في كلّ الأوقات في سبيل الله لإعانة هذه الطّبقة من المجتمع ويسعون أيضا ليقضوا لهم حوائجهم على اختلاف أنواعها، قال الله تعالى فيهم في الآية 274 من سورة البقرة: " الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمُ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ " فهم يَدٌ واحدة لا تفرّقهم الأهواء ولا يخضعون للمساومات ولا للمغريات، عملهم في سبيل الله تعالى ولا يخافون في الله لومة لائم، فالقويّ فيهم يشعر بالضّعيف فيلازمه ليحقّق له حاجته، والغني منهم يحسّ بالفقير فيرافقه حتى يلبّي له حاجته في كلّ الظّروف، والصّحيح منهم يهتمّ بالمريض فيتفقّده ليبعث فيه الرّاحة والسّلامة ويؤنسه ليجلب له العافية والشّفاء من عند الله. إنّهم يمتثلون لتعاليم ربّهم عزّ وجلّ ويقتدون بسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، روى الإمام مسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " المُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالحُمَّى وَالسَّهَرِ"، فهذا من سمات أغلب الجزائريين المخلصين المحسنين وقد نجده عند بعض إخواننا من أهل المغرب العربي وأهل المشرق أيضا.

إنّ الإيمان يقوى ويتجدّد بالذّكر والمحبّة، فمن يذكر الله تعالى ولا يملك في قلبه المحبّة لإخوانه المؤمنين فهذا ليس منهم وليسوا منه، فإيمانه لا يدوم وسرعان ما ينهار ويخضع لأنانيته وهواه، فمفتاح الجنّة هو الإيمان وسرّ الإيمان يكمن في المحبّة التي تحرّك كلّ المشاعر لفعل الخير وتحافظ على الإيمان، روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَدْخُلُونَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلاَ تُؤْمِنُونَ حَتَّى تَحَابُوا، أَوَ لَأَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ: أُفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ "، وجاء الحديث صريحا يبيّن أن المحبّة هي من الدّوافع والرّوابط الحسّاسة التي تُبْقي الإيمان في تصاعد وتزايد حتّى لا يذبل ولا يدنّس، روى الإمام أحمد والنسائي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبُّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْرِ"، فالمحبّة تكون لله تعالى ثمّ لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم ثم للمؤمنين، وهكذا محبّة يترسّخ بها الإيمان في القلب ويمكث، قال الله تعالى في الآية 54 من سورة المائدة: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَتِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُومِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ. ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُوتِيهِ مَنْ يَشَاءُ. وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " وجاء في القرآن أنّ محبّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ينبغي أن تكون قبل محبّة النّاس أنفسهم، أي حبّنا للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أكثر من حبّنا لأنفسنا، قال الله تعالى في الآية 6 من سورة الأحزاب: " النَّبِيءُ أَوْلَى بِالْمُومِنِينَ مِنَ أَنْفُسِهِمْ. وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ. وَأُوْلُو الارْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُومِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً. كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً "، وفي الحديث الذي رواه الطبراني عن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : "أَفْضَلُ الإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ للهِ وَتَبْغَضَ للهِ وَتَعْمَلْ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللهِ عزّ وَجَلَّ وَ أَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ وَأَنْ تَقُولَ خَيْرًا أَوْ تَصْمُت"، وهذا ما يفسّر لنا أنّ محبّة الله تعالى هي التي تجعلك تحبّ النّاس، فبقدر ما تحبّ الله تعالى بقدر ما تتطهّر ويلين قلبك وينفتح لفعل الخير وإدخال السّرور على النّاس، فالله تعالى هو الذي يحوّلك إلى هذا المقام من الإيمان والمحبّة للنّاس، لقد أخرج الحاكم عن ابن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " مَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ كَفَاهُ اللهُ مَا بَيْنـَهُ وبَيْنَ النَّاسِ ومَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللهُ عَلاَنِيَتَهُ "، وهكذا يمكننا أن نشتغل في مساعدة النّاس بما نملكه من محاسن وحبّ صادق لله تعالى وللمؤمنين عامة ولأبناء وطننا خاصّة فالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يعتبر أنّ أحبّ الأعمال إلى الله تعالى تكمن في قضاء حوائج المسلمين وإسعادهم والدّفاع عنهم في كلّ الظّروف والمحافظة على سلامة أموالهم وأهليهم، فنقف معهم في السّراء والضّراء ونحمي ظهرهم لعل الله تعالى يحمينا وينصرنا ويغفر لنا ويرحمنا، روى الإمام أحمد والضّياء عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " مَا مِنَ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتُهُ، إِلا خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ أحَدٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتُهُ إِلا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ "، ونجسّد هذه المحبّة في حسن المعاملة وصدق التّعاون وإخلاص العمل وبها ننفع ولا نضرّ ونبني ولا نهدّم ونجمع ولا نفرّق، فبالمحبّة لإخواننا والإحساس بالمودّة لهم وقوّة الأخوّة التي تربطنا نصنع الحضارة ونترقى بين الأمم ونحمي بلدنا وأمّتنا الجزائرية، فالمؤمن القويّ هو الذي يحبّ أخاه ويصبر على أذاه ولا يخاصمه ولا يقاتله ولا يعاديه، أخرج البخاري وأحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ "، ولنخالط النّاس ونصبر على أذاهم فلا بد لنا أن نحبّهم ولا نغشّهم، حتّى الأعداء لا نكنّ لهم الكراهية والعداوة ولا نريد لهم المضرّة بل نحمل لهم السّلام والمودّة، قد يهديهم الله تعالى ويبدّل عصيانهم طاعة وإيمانا وعداوتهم محبّة ومودّة، قال الله تعالى في الآيتين 34 و35 من سورة فصّلت: " وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ. ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ "، وجاء في الحديث الذي رواه أحمد والطبراني عن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " أَفْضَلُ الفَضَائِلِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ وَتَصْفَحُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ "،
فكلّ هذه الصّفات الحميدة التي جاء بها رسولنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم تشارك في ترقية الفرد والمجتمع وتحفظ لأبناء الوطن الأمن والاستقرار والرّاحة وتبعد عنهم الخصومات والمنازعات وتطفئ الفتن وتبعد الحروب وتشجّع على العمل والصّبر وحسن المعاملة والجوار، فالمسلم الذي بحبّ ربّه تعالى ونبيّه صلّى الله عليه وسلّم لا يبغض أخاه بل يحبّه كما أمره ربّه تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم ولذلك لا يؤذي أخاه لا بلسانه ولا بيده والمؤمن هو الذي يحفظ كرامة وعرض أخيه ويحمي دم ومال أخيه، روى الإمام الطبراني عن واثلة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " المُسلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَ المُؤْمِنُ مَنْ آمَنَهُ النّاسُ عَلَى دِمَائِهِم وَأَمْوَالِهِم"، ولقد حذّر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم المؤمنين من الاقتتال فيما بينهم وهذا عندما تَقْسوا القلوب وتفتقر للمحبّة في الله تعالى، روى الإمام البخاري والترمذي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ". 

إنّ الذي يتباهى بالإيمان أمام النّاس وهو لا يحمل أدنى محبّة للمؤمنين فهذا لم يذق حلاوة الإيمان ولا يعرف بتاتا معنى الأخوة في الدّين وفي الوطن، فكلّ من يحبّ النّاس في الله تعالى يشعر بطعم الإيمان ويبعث الله عزّ وجلّ فيه إرادة وانتعاشا عند مصاحبة المؤمنين من أهل وطنه وغيرهم، لقد روى الإمام البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجِدَ طَعْمَ الإِيمَانِ فَلْيُحِبُّ المَرْءَ، لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ"، إنّ المحبّة بين النّاس إذا كانت لغير الله تعالى فإنّها تزول بزوال المصالح الدّنيوية وقد تبقى سطحية لا تُبنى على أسس متينة تراعي المنفعة المتبادلة إذا كانت تسوقها الأنانية والماديات، وحتّى يحافظ النّاس على أنفسهم ومصالحهم الحقيقية عليهم أن يقدّموا محبّة الله تعالى على كلّ شيء وبها تقاس كلّ الأعمال والأفعال فكلّ ما كان لله تعالى يُقبل ويبقى وما كان لغيره يترك ويزول، روى الطبراني والضّياء عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " حَبِّبُوا اللهَ إِلَى عِبَادِهِ يُحِبُّكُمْ اللهُ "، لقد نهى الله تعالى عباده المؤمنين عن الكراهية فيما بينهم والخصومات من أجل البخل والشهوات والابتعاد عن أسباب النزاعات حتّى لا يقعوا في الحروب والخلافات ويخضعوا لوسوسة الشّيطان الذي يزرع بينهم العداوة والبغضاء وينشر فيهم الفتنة والاقتتال، قال الله تعالى في الآية 208 من سورة البقرة: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السَّلْمِ كَافَّةً. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ " أمرهم الله تعالى أن يكونوا مسلمين متصالحين مسالمين متحابّين يصبر بعضهم على بعض ليطردوا الشّياطين حتّى لا تُفرّق بينهم، وهكذا تبقى المحبّة هي التي تقودهم والمودة تقرّبهم ويجمعهم الصّلح والصّلاح، لقد ضرب الله تعالى في كتابه الكريم مثلا بين المحبّة التي تجمع بين النّاس وتبني الأخوة وتدعو إلى التّقدّم والرّقي ويمثّلها هابيل بن آدم وبين الكراهية التي تعمل على التّفرقة بين النّاس وتشجّع على الخلاف والعناد والتّبعية والخضوع والاقتتال، ويمثّلها قابيل بن آدم الأكبر، فكان قابيل يبغض أخاه ويحسده حتّى بلغ به الأمر أن قتله، بينما هابيل كان طائعا لربّه تعالى ويؤمن بقضاء الله وقدره وبارا لوالديه وسبق وأن دافع عن أخيه الذي كاد الأسد أن يفتك به لولا أخوه هابيل الذي تدخّل وحمى أخاه وقتل الأسد، ومع ذلك لم يرد أن يقاتله وصبر على ظلم أخيه وحاول أن ينصحه ولكن بدون جدوى، فشدّة الغلّ والحسد والأنانية أعمته ورمت به إلى الحماقة فارتكب الجريمة وقتل أخاه هابيل، فهذه القصة في الآيات 27 إلى 30 من سورة المائدة، قال الله تعالى: " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ. قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ. قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ. إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّيَ أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ. وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ ". 

لقد استخلصنا من هذه القصة الرّائعة كيف أنّ الحبّ في الله الذي يبعث إلى محبّة النّاس ومساعدتهم ومحبّة الآباء والأمّهات والإخوة والأخوات يشجّع على الصّبر والسّلم والصّلاح ويجلب لصاحبه النّصر في الدّنيا والرّحمة والمغفرة في الآخرة، لقد ضحى هابيل بنفسه حبًّا في أخيه ومات شهيدا في سبيل الله من أجل المحبّة والمودّة والأخوة والسّلام والدّعوة إلى الخير وفعل الصّالحات، وخلصنا إلى أن المسالمة انتصرت على العنف والمسامحة غلبت الحماقة والعداوة وهكذا ندم قبيل وفرّ هاربا من أبيه آدم ففارق والديه وصار عاقا لهما وعدوا لله عزّ وجلّ وعاش معيشة ضنكا وأصبحت حياته جحيما وظلاما وحسرة في الدّنيا، وأمّا ما ينتظره في الآخرة فهو العذاب الأليم والعقاب الدّائم، أمّا هابيل الذي انتصر في الدّنيا بصبره وعظيم خلقه وجمال سماحته وفي الآخرة له جنّة النّعيم ومغفرة ورحمة ورضوانا من الله عزّ وجلّ، فترك وراءه سنّة حسنة عظيمة يقتدي بها الصّالحون المخلصون الصّابرون، وبهذه السّنة تعيش البشرية في سلام وأمن وطمأنينة، فيرزقهم ربّهم تعالى من حيث لا يشعرون فكلّما تمسّكوا بتعاليم ربّهم تعالى وتحابّوا فيما بينهم كلّما أعانهم الله تعالى، قال الله تعالى في الآية 96 من سورة الأعراف: " وَلَوَ اَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالاَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ".

وهكذا تنتصر سنّة الله تعالى ويبقى الصّبر والسّماحة هما سبيل النّجاح والظّلم والعجلة هما الشّر كلّه، لقد فضّل الله تعالى الصّبر وهو الصّبور الحكيم كما فضل العفو وهو الغفور الرّحيم، ومن سنّته أنّه جعل بعد العسر والشّدّة والمعاناة الفرج واليسر ولا يتسنى هذا إلاّ لمن صبر وغفر لوجه الله تعالى، قال الله تعالى في الآية 6 من سورة الشّرح: " فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً "، إنّ الله تعالى ينصر لا محالة الصّابرين الصّادقين حتى ولو بعد سنوات، فلا يحزنوا ولا ييأسوا وعليهم أن يتوكّلوا على الله تعالى ويحسنوا الظنّ به فهو ناصرهم لا محالة، قال عزّ وجلّ في الآية 110 من سورة يوسف: " حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُنْجِي مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ". 

وسبق وأن أنقذ أخاه قابيل من هجوم الأسد الذي كاد أن يفترسه لولا تدخّل هابيل وقتل الأسد ومع ذلك أبى هابيل أن يقاتل أخاه وصبر على ظلمه وحاول أن ينصحه ولكن بدون جدوى، فشدة الغلّ والحسد والأنانية أعمت قابيل ودفعت به إلى الحماقة فارتكب الجريمة وقتل أخاه هابيل.


ش.ع



.

تاريخ Sep 19, 2019