إعلان
إعلان

الرواية الوحيدة لمالك بن نبي" لبيك حج الفقراء "

منذ 16 يومًا|قراءة في كتاب


 يُروى بتواتر عن مفكّر الإسلام وفيلسوف الحضارة في القرن العشرين، مالك بن نبي، رحمه الله، قوله لزوجته في آخر حياته "سأعود بعد ثلاثين سنة وسيفهمني الناس"، فقد عاش محاصرا في عصره، ومضايقا في أفكاره، غير أنه كان واثقا تماما أنها سَتُفَعَّلُ في يوم ما، وها قد صدقت نبوءة الرجل العملاق اليوم بعودة النخب الإسلامية في مختلف المستويات إلى مُدارسة رؤاه التي سبق بها زمانه قبل 75 عاما، وجعلت قيادات دول من قيمها الفلسفية والعملية مرتكزات لنهضتها الجديدة!

لقد كان بن نبي يؤمن أنّ "المشروع الإصلاحي يبدأ بتغيير الإنسان، فالإنسان هو الهدف و نقطة البدء في التغيير والبناء "، لذلك كرس حياته للبحث في مشكلات الحضارة، وبذل جهدًا كبيرًا لفهم مقوماتها.

ودفعًا لاهتمام القرّاء بمطالعة الكتاب في ظل الحجر الصحّي هذه الأيام، وتعميما للفائدة المعرفية الراقية التي حملها فكره الإسلامي النيّر، فقد ارتأى "الحراك الإخباري"، أن يعود إلى بسط تصورات الرجل الأساسيّة، من خلال عرض لأبرز مؤلفاته العالميّة ، واليوم سيكون موعدنا مع رواية " لبيك حج الفقراء".
تدور أحداث الرواية في مدينة عنابة الجزائرية (إبان الحقبة الاستعمارية)، وهي تضع القارئ منذ تلك الأوقات، وحتى اليوم، في الأجواء التي عاشها الجزائري البسيط في كل مدينة جزائرية، مثل عنابة، حيث طغت مؤثرات النمط الأوربي على الجو العام.

فالعم محمد والطفل هادي والسكير إبراهيم وزوجته، من شخصيات الرواية، كانوا يمثلون الشعب الجزائري بكل فئاته، فالعم محمد يمثل الأصالة المتجذرة في الأمة، وإبراهيم، مع انحرافه عن الطريق السليم، هو نموذج الجيلَ الذي احتك وعايش المجتمع الأوربي في الجزائر.

حيث كان في حيرة من أمره، فما تعلمه صغيرًا وغاص في أعماقه، لا يتناسب ما يطفو على السطح مع أحاسيسه العميقة، إنه الفراغ الذي يعانيه كل امرئ غير مقتنع بعقيدته ومقوماته الأخلاقية، لكنه استدرك الأمر وأدّى فريضة الحج، ما يدل على أنه مهما حاد المؤمن عن سواء السبيل، فإن إخلاصه لابد أن يعيده إلى الهداية، وإن طال زيغه. وظلت زهرة، زوجة إبراهيم، على ما عانته من ويلات وعربدات زوجِها الليلية، تكِنُّ له كل الاحترام، وتتمنى له الخير وتعامله كأنه أخوها أو ابنها.

ومسبحة أم إبراهيم كانت تمثل لها الرصيد الثقافي المتوارث عبر الأجيال، ويتوب إبراهيم السكير، والطفل هادي يتحدى رفاقه ويصعد إلى المركب ليحج هو الآخر بعزيمة أقوى من أن تقهر، وتتميز الرواية بسلاسة الأسلوب في سرد الأحداث وغناها، وبعنصر التشويق والتنكيت والطرافة.

وكما جاء على لسان عمر مسقاوي، تلميذ مالك بن نبي، فإن قصة «لبيك حج الفقراء»، قد رسمت عمق الروح الجزائرية، وشخصيتها المنتمية إلى تراث الثقافة والحضارة الإسلامية المنشدّة إلى منازل الوحي.

ففي هذه الرواية ذات الأحداث البسيطة، استطاع مالك أن يقدم لنا وصفًا للمجتمع الجزائري ببساطته وأصالته ومحافظته على هويته وتراثه ودينه، رغم كل المحاولات الفرنسية لطمس هذه الهوية وحرف الشعب عن فطرته وإنسانيته.

فإبراهيم بطل القصة، والذي قرر الاستجابة لنداء الفطرة والدين ونداء المجتمع وعاداته وتقاليده، نداء الذكريات العائلية التي حفرت في نفسه قيم دينه وأمته ومجتمعه. وكان يمثل تلك العودة إلى الروحانية والنقاء بعد ابتعاده عن تلك القيم، وغوصه في قذارة الانحلال والمادية.

ولا يستشف في هذا الشأن أن مالكًا كان يبتغي من كتابة روايته تلك، أن يبدع رواية أدبية وكفى، بل كان يريد أن يؤكد على أن في هذا المجتمع قيمًا راسخة ليس من السهولة طمسها، وأن هذه القيم هي التي ستحمي حضارتنا من الذوبان والاضمحلال، فقوة الدين..

قوة المركز، تشد دائمًا أفراد المجتمع لتعيدهم نحو تلك القيم مهما ابتعدوا عنها، ومهما أثرت فيهم دعوات المادية الفجة. لم يكن مالك بن نبي منشغلاُ بمسألة الهوية بقدر انشغاله بالبحث عن أسباب الانحطاط والقابلية للاستعمار، ولكنه في هذه الرواية تطرّق بحسه السليم إلى مسألة الهوية، وكيف تكون حامية ومنجية للشخصية ومكوناتها.

وبالرغم من أن تلك الرواية قد كُتبت قبل سنوات كثيرة -أكثر من ستين عامًا (1947م)- فقد جاءت من الروايات التأصيلية التي تعاملت مع المجتمع من منظور الاحترام وليس من منظور النقد والاحتقار، فقد صورت لنا تلك البساطة والحميمية في التعامل بين أفراد المجتمع، وتطرقت لمسألة في غاية الأهمية، وهي مسألة الانتماء للمجتمع، فالفرد الذي يخرج عن قيم المجتمع هو فرد منبوذ ومطرود من قِبل الشعب، ولكنه سرعان ما يعود للاندماج ويلاقَى بالترحيب والسرور إذا عاد للالتزام بهذه القيم واحترامها.

إن «لبيك حج الفقراء» رواية بسيطة ولكنها مؤثرة، لا تخلو من تشويق، وهي رغم سلاسة أحداثها، من تلك القصص التي نسمعها عن رحمة الله بعباده وأنه يهدي من يشاء إلى طريقه المستقيم، تعد من الروايات التي تذكرنا بأن قيمنا وهُويَّتنا هي طريق نهضتنا.

وأن عودتنا لتلك الأصول، هي التي يجب أن ننطلق منها لرسم حياة جديدة وحضارة اتصالية نابعة من ذاتنا ومن أخلاقنا ومن خصائصنا، تؤكد للعالم أن هناك حضارة قوية راسخة، تستطيع مقاومة تيار المادية الجارف الذي يريد الهيمنة على باقي الحضارات ومحوها من الوجود.

تتناول الرواية مختلف شرائح المجتمع بمختلف مستوياتهم وخلفياتهم وجنسياتهم (على الرغم من أن الجزائر هي بلد الحدث)، وتوثق أسلوب حياتهم في حقبة من الحقب -بداية القرن العشرين الميلادي- لتُبرز قصة أغلى رحلة في قلوب المسلمين، وهي رحلة الحج في ذلك الزمان.

رحلة الحج التي تميزت ببساطتها وعفويتها، تجعل من المسلم متشوقًا لعيشها وتجربتها كما جربها أبطال الرواية، والرواية قصيرة معبرة وواقعية ومليئة بالمشاعر والأمل.

وقد أراد بها ـ كما قال مالك بن نبي لناشرها الفرنسي ـ أن يمسّ جزءًا مهمًا من القيم والعادات الجزائرية التي لا تبعد كثيرًا عن القيم الإسلامية، وقد قام بترجمتها عن الفرنسية مؤخرًا الدكتور زيدان خوليف، الذي عثر على هذه الرواية أثناء إعداده لرسالة الدكتوراه عن حياة مالك بن نبي وأعماله.

ونشير في الختام أن هذه الرواية التي نشرتها دار الفكر بدمشق في طبعة أنيقة، متوفرة حصريّا بالجزائر لدى "دار الوعي"، مثلما لديها "المجموعة الكاملة لأعمال مالك بن نبي" لكل من يرغب في الاستفادة منها، حيث يمكنه التواصل معها عبر حسابها الرسمي على مواقع التواصل الاجتماعي.

تاريخ May 12, 2020