إعلان
إعلان

" أمراء" و"ملكات" بامتياز على موائد إفطار الجزائريين

منذ شهر واحد|روبرتاج


صوم الطفل لأوّل مرّة، حدث اجتماعي توليه العائلات الجزائرية أهمية كبيرة، بإقامة احتفالية خاصّة فرحا وتحفيزا له على المواظبة على فريضة الصيام، ليبقى اليوم مشهودا في ذاكرته لن تمحوها الأيام وعثرات الكبر، يتذكّرها حين يستحضر بعضا من لحظات الماضي ويتباهى بها أمام أقرانه، تختلف طريقتها من منطقة إلى أخرى، وتجمعها الغاية الواحدة.

ذات العادة الضاربة في التاريخ، لازمت الجزائريين ولم تغيّرها الأزمة الصحيّة الحالية التي تعيشها الجزائر اثر تفشّي وباء كورونا، بل ساعد حجر الأسر في البيوت على الحفاظ على موروث الأجداد، حدث استثنائي تعدّ له العائلات العدّة تبركا بقدسية المناسبة، " لا يمكن تجاهله لما يتركه من أثر نفسيّ بالغ على روح الطّفل المحبّة لكلّ جميل" تقول السيدة " نعيمة" القاطنة بالعاصمة، مشيرة في حديثها لـ " الحراك الإخباري" إلى إقامتها احتفالية لطفلها " يحي" البالغ 8 سنوات، بطقوس خاصّة.

عن حيثيات الاحتفال، قالت أمّ يحي، إن ابنها قرّر صيام الخامس من رمضان، ولم يؤجّله لليوم الخامس عشر أو " النصفية" كما يفعل عادة إخوته في مثل سنّه،"أصرّيت بدوري على مباركة خطوته المشرّفة، بطريقة مميّزة، بإعداد أشهى المأكولات وأحبّها إلى قلبه بأصناف متنوّعة عرضتها في أدوات طعام من أكواب وصحون وملاعق بأحجام صغيرة"، لتستطرد محدّثتنا " لحسن حظّي وككل عام اقتنيت أواني جديدة قبل حلول رمضان، أي قبل فرض الحجر الصحّي الذي استدعى غلق المحلات

ملك " الزهر" ببرنوس عاصمي

"بدى ابني كالملك وهو يرتدي الطربوش والبرنوس العاصمي" تضيف الأم موضّحة أنّ من العادات التي توارثتها عن عائلتها أن يجلس الطفل الصائم لأوّل مرّة على الكرسي المحاذي لوالده، ما يشعره أنّ ما قام به يدرجه في خانة الكبار، ليبدأ إفطاره بحبات تمر و" الشاربات" معدّة بالبيت بشرائح اللّيمون، القرفة والماء زهر، وذلك " حتى يكون صاحب زهر في حياته القادمة"، مع تزويده بقطع نقود ولعب اقتنيت خصيصا للاحتفالية.

ولتعويد الطفل على تأدية الشريعة المفروضة في الدين الإسلامي عند بلوغه، طريقة خاصة لدى سكّان ولاية البليدة، وجاء على لسان "فاطمة الزهراء" القاطنة بحي سيدي عبد القادر، أنّ صغيرها " وحيد" البالغ من العمر 8 سنوات، وعلى خطى شقيقه الأكبر يعتزم صوم ليلة "النصفية" من رمضان، يوم شرعت في التحضير له بطريقة لم تختلف عن " أمّ يحي" من حيث تحضير الشاربات، والفارق وضع قطعة من الفضّة ومنحه ما يفضّله من حلويات تعدّ بالمنزل.

  أواني فضيّة خصيصا للأمراء

الاحتفالية يُدعى إليها الأقارب والأصدقاء، ولكنها اقتصرت هذه المرّة على أفراد الأسرة وفقط، تقول فاطمة، مع إظهار شيء من الفرحة والإكثار من الثناء، ولشحذ عزيمة ابنها ودفعه على تكرار الصوم خلال الأيام المقبلة، سيوضع داخل قصعة ويرمى فوقه قطع الحلويات والمكسرات، يوزّع بعضها على أفراد الأسرة ما يشعره بالنّضج، بينما يحظى بالتمييز ويلقى اهتماما بالغا يجعل منه " أميرا تلبّى اوامره".

وبدورها تتبارى العائلات الوهرانية في تحفيز أبنائها الصغار على الصيام، وهو ما ترويه لنا " فوزية" عن احتفالها بصوم طفليها لأوّل مرة، بارتداء طفلها للباس التقليدي الوهراني، و"التنكاف" لابنتها أي تزيينها من رأسها إلى أخمس قدميها كعروس ليلة زفافها، تخضّب يديها الصغيرتين بحنّاء يتم جلبها من مكّة المكرّمة، وترتدي أجمل الحليّ التي تخفى فيما بعد لمناسبة عرسها، مع الحرص على إعداد أطباق تقليدية يكون في الغالب " شوربة الحريرة والرفيس سيّداها، على أن تعطى الأولوية للأطباق التي يحبّذها طفليها، وبشرق البلاد وتحديدا بولاية سطيف فالفارق الوحيد إفطار الطفّل على أكلات تقليدية خاصة بالمنطقة ولكن على أواني نحاسية أو فضية جديدة.

إفطار على سطح المنزل ..علوّ ورفعة

عادات لا تختلف عن تلك التي تمارسها أسر بتيزي وزو، في بعض تفاصيلها المتعلّقة بإعداد أطباق تقليدية، إلا أنّ الطفل  الصائم لأوّل مرّة، يتناول أوّلا البيض المسلوق، اللّبن وماء به قطعة فضّة كرمز للبياض والصفاء والنّقاء، على سطح المنزل أو حتى " قرميده"، ما يشعره بالعلوّ والرّفعة، على حدّ قول " نزيهة" من قرية " بوعون" لـ " الحراك الإخباري"، مشيرة إلى أن العادة تترك أثرا جميلا في نفسية الطفل وتتواصل إلى السهرة  بتناول طبق" المسمّن" المحلّى بالعسل و" الخفاف" لتكون أيامه " خفيفة وأموره سهلة".

ذبيحة فصدقة فدعاء

بالجنوب الجزائري، تحتفي بعض العائلات بصوم الطفل لأول مرّة على طريقة حفظه للقرآن الكريم، يحلق رأسه ويرتدي العباءة و" الشّاش"، لتصلّ حدّ ذبح خروف لإعداد ولائم يدعى لـ" بركتها" الأهل والجيران، أكّدت " عائشة" القاطنة بولاية أدرار لـ" الحراك الإخباري" أنّها غيّرتها قليلا، رمضان الجاري، تفاديا لتفشّي كورونا، بتوزيع اللحم على الجيران والأهل عوضا عن طبخه، مع طلب الدّعاء لابنها بأن يكون صالحا وتقيّا في كبره..

وإن كانت " كورونا" قد غيّبت الأحباب عن المشاركة في الفرحة بصوم القريب والصديق والجار لأوّل مرّة، وعن السهر احتفاء بالمناسبة التي ترمي لمعاني عظيمة، إلا أنّها لم تقض على معانيها الإيمانية الراسخة والتي لا تنضبّ مهما غيّرت الأزمة الصحية من عادات أخرى لدى الجزائريين، أجلّها إعداد جيل يحرص على تأدية فريضة الصوم، باعتبارها أحد أركان الإسلام الخمسة، وأحد أقدس الفرائض في الإسلام.


سميّة.م