الحراك الإخباري - الشيخ الطاهر بن دومة... من أعلام وادي ريغ
إعلان
إعلان

الشيخ الطاهر بن دومة... من أعلام وادي ريغ

منذ شهر|روبرتاج

في حلقة أخرى مشوّقة مع أعلام الجزائر، نقف اليوم مع حياة سيدي ولد محمد الطاهر بن دومة، المولود سنة 1336هـ/ 1918م، ببلدة تبسبست بولاية تقرت حاليا، وأبوه هو عمر بن الطيب بن دومة، وأمه هي راشدي سعده.

كان والده حافظا لكتاب الله، واشتهر بالصّلاح والتقوى، حيث ذكره في مخطوط قائلا:"...وأبي عمر بن دومة كان معهم في المشاهدة؛ لأنه كان يقرأ القرآن"، لكن بعد وفاة والده كفله عمه المسمَى محمد، بعدما تزوج بأمه سعده.

نشأ محمد الطاهر بن دومة في رعاية عمه، وفي حضن والدته، التي أدخلته الكتّاب بعد ما بلغ السادسة من عمره، كما أشار إلى ذلك حمودي السعيد في مخطوطته التي كتبها في شأن صديقه الشيخ محمد الطاهر في قوله:"...ولما بلغ السادسة من عمره، أدخلته أمه إلى الكتاب، برعاية جارهم منصور بن محمد بن الطيب عبد الجواد، وذلك في سنة 1342هـ/1924م،وقد تعلّم على يدي منصور، الحروف في مسجد سيدي عمر بن تاتي".

وبعدما تَمَكَّن من القراءة وفكِّ رموز الكتابة، أتمّ حفظه للقرآن الكريم على يد الشيخ محمد الصغير مجوجة، هذا ما جاء في قول محمد السعيد حمودي:"...ثم انتقل بعد ذلك مع معلّمه الحروف، إلى جامع سيدي عبد الغفار، على يد مربيه ومعلّمه محمد الصغير بن السايح بن محمد بن مسعود مجوجة، وتم حفظه للقرآن سنة 1936م، أما الشيخ الطاهر بن العبيدي، ذكر بأنه حفظ القرآن في 1937م، وهو الكلام نفسه الذي قاله محمد الطاهر عبد الجواد، في كتابه من أعلام منطقة وادي ريغ.

لكن نظرا للظروف المعيشية الصعبة التي كان يعيشها الشيخ، اضطر للعمل في التجارة ولمَّا يبلغ العشرين من عمره، قال عنه عمار حلاسة في مقالة له حول علماء وادي ريغ وجهودهم العلمية في المحافظة على أصالة التراث :"...ولما كان الفقر قد عض بنابه المنطقة كلّها، اضطر الشيخ الطاهر إلى البحث عن لقمة العيش، وهو لا يزال غضا، حيث اشتغل بالتجارة، لكن اشتغاله بالتجارة لم يقف أمام إرادته وحبِّه للعلم، فقد كان حريصا على حضور الدروس، التي كان يلقيها الشيخ الطاهر العبيدي بالمسجد الكبير بتقرت.

وصنّفه عمار حلاسة من العلماء العصاميين بقوله:"...أما الصنف الثاني فهم علماء قد بلغوا في علمهم مكانة لا تقل عن مكانة المجازين، وأصحاب الشهادات وان كانوا لا يملكون شهادة ولا إجازة، وهم العلماء العصاميون من ذوي الإرادات الفولاذية الذين كانوا يشترون الكتب أو يستعيرونها، ويطوفون بين مختلف حلقات العلم التي كانت تعقد بعد أوقات العمل، ومن أمثال هؤلاء الشيخ الطاهر بن دومة الذي لا تكاد له في منطقة وادي ريغ مثيلا".

وفي سنة 1363هـ/1945م، لما كان الشيخ في أوج شبابه، وعمره سبعة وعشرون عاما، ترك التجارة واشتغل بتحفيظ القرآن الكريم، يقول صديقه حمودي السعيد "...ثم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945م، ترك التجارة واشتغل بتعليم القرآن وقد حفظ على يده أكثر من عشرين حافظا ".

ثم التحق بعد ذالك بالشيخ الطاهر العبيدي سنة 1946هـ/1364م الذي يقول عنه محمد الطاهر عبد الجواد:"...وتلقى بعض العلوم الدينية، على يد مشايخ كان وأحبهم إليه الشيخ الطاهر العبيدي"، حيث تعلّم على يديه الفقه، والنحو، والفروض، والبلاغة، والأصول، وقد حفظ كثيرا من المتون.

لكن بعد الاطلاع على مخطوط الشيخ نجد أن العلوم التي تلقّاها على يد مشايخه يبدوا أنها لم تكن متعمقة نظرا للأخطاء الواردة في المخطوط علما بأنها بخط يده، ولعل هذا الضعف يرجع إلى بيئته التي كانت تخضع للاستعمار الفرنسي وسياساته التجهيلية كما يقول الدكتور صغيري أحمد في مقال له حول السياسة التعليمية في الجزائر 1923/1972م )"... إن الاحتلال الفرنسي قد اتبع عدة طرق من اجل منع الجزائريين من تعلّم لغتهم ودينهم ونذكر من بين تلك الأمثلة منع منح رخص التعليم للمدرّسين ومصادرة الممنوح منها بالفعل وإغلاق المدارس بدون سبب كما أغلقت المساجد في وجه العلماء حتى لا يقوموا بدورهم الديني والوطني فيها ولا يسمح إلا بتعليم القران الكريم تعليما تقليديا".

وبعدما أذن له شيخه-الطاهر العبيدي- في التدريس، علم أن نجاح رسالته تكمن في نشره للعلم بين أفراد مجتمعه وكشف الظلمات عنهم، وساهم في إصلاح المجتمع دينيا واجتماعيا يقول عنه محمد الطاهر عبد الجواد:"...وهكذا كان نشاطه لا ينقطع ولا ينتهي ليل نهار، حتى وافته المنية، وهو يشن حربا ضروسا على البدع والضلالات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وكان في كل ذلك لا يخشى في الله لومة لائم، في سبيل إظهار الحق وإبطال الباطل .



ومن خلال دراستنا لشخصية الشيخ، نستطيع أن نصفها بالشخصية المتميزة، إذ يتضح ذلك من علمه الوافر الذي تحصل عليه من خلال تجربته الميدانية التي اكتسبها طوال سنين حياته، فلم تمنعه مهنة التدريس من طلب العلم، ولم يشغله إصلاحه لأفراد مجتمعه عن نيل مبتغاه، وتحكّمت في ذلك عدة عوامل، كانت وراء نبوغه ووصوله إلى المكانة العلمية، التي تؤهله ليقود حركة إصلاحية نوجزها في ما يلي:

تواضعه للعلم والعلماء فكان يبجلهم، ولا يستحي أن يأخذ العلم ممن هو أقل منه شأنا.ـ

كان لا يستحي أن يقول لا أعرف، أو كنت مخطئا، فعلّمه الله ما لم يعلم .ـ

كان لا يتردد إذا تبين له الحق أن يتبعه، ولا يستحي أن يعلن ذلك أمام العامة أو الخاصة.ـ

قراءاته الكثيرة: فقد كان من الذين يحبون أن يأخذوا من كل علم بطرف، ولذلك كان شغفه بالقراءة كبيرا.ـ

الندوات العلمية، ومجالسة العلماء للأخذ منهم والعطاء.

في يوم الأحد الثامن من رجب سنة ألف وأربعمائة واثنان للهجرة، الموافق لـ:02 ماي1982 للميلاد، فاضت روح الشيخ إلى بارئها بعد عمر يناهز أربعا وستين عاما وهو عمر بداية الشيخوخة، إذ ظهرت عليه أمارات التعب، وألمّ به المرض مرض الموت ونُقِلَ إلى الجزائر، وكان همُّه الوحيد المساجد، حتى أن بعض الأئمة عندما كانوا في عيادته يقول لهم: عمَّرو مساجد الله، خير لكم من زيارتي، فظلَّ معلّما وداعية إلى آخر يوم من حياته، فأكرمه اللَّه بالوفاة ساجدا، أثناء أدائه لصلاة العصر، بمستشفى الأبيار بالجزائر العاصمة، فتغمّد الله شيخنا بعفوه ومغفرته ورحمته.



نقلا عن الباحث محمد لعروسي حامدي

تاريخ May 14, 2021