إعلان
إعلان

للعلاّمة وهبة الزحيلي التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

منذ 12 يومًا|قراءة في كتاب


تعدّ موسوعة "التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج"، للعلامة الكبير وهبة الزحيلي، نقلة نوعية رائدة في علم تفسير القرآن الكريم، عصريُّ الفكر والأسلوب والموضوعات، تراثيُّ الجذور والأصول، جمع بين أصالة التفاسير السابقة، وروح العصر الجديد ومتطلباته، لبى حاجة القراء على اختلاف تخصصاتهم ومستوياتهم.

أما مزاياه فقد فسَّر القرآن بالقرآن وبالصحيح من السنة والآثار، وتقصّى أسباب النزول، معتمداً الصحيح منها، وخرَّج أحاديثها وبين درجتها، تجنب الإسرائيليات، والروايات الشاذة والأقوال البعيدة، واعتنى بالجانب الروحي والسلوكي، ملتزماً الوسطية والاعتدال، فسر المفردات، واعتنى بالبلاغة والإعراب، وأورد القراءات وبسَّطها للقارئ، وبيَّن أوجه المناسبة، وربط بين السور والآيات القرآنية، عرض تصوراً شاملاً لقصص الأنبياء والسيرة النبوية، ألحق به فهارس موضوعية شاملة؛ تعين الباحث على الوصول إلى كل معلومة وجزئية في تفسير القرآن.

واشتهر مؤلفه الدكتور وهبة الزحيلي بكونه صاحب منهج خاص في التفسير والفقه والقانون، تفرد به؛ معتمداً أساليب الاستقصاء، والاصطفاء، والتحديث، والمعاصرة، وإيراد الدليل، والمقارنة، واستبعاد ما فات أوانه، أنتج به قرابة مئة عنوان.

لم يجرؤ الشيخ الزحيلي على هذا التفسير إلا بعد أن كتب كتابين شاملين في موضوعيهما أو موسوعتين: الأول: "أصول الفقه الإسلامي" في مجلدين، والثاني: "الفقه الإسلامي وأدلته" في مختلف المذاهب - أحد عشر مجلداً، وأمضى في التدريس الجامعي ما يزيد عن ثلاثين عاماً، وعمل في الحديث النّبوي تحقيقاً وتخريجاً وبياناً بالاشتراك لكتاب "تحفة الفقهاء" للسمرقندي، و"المصطفى من أحاديث المصطفى" زهاء "1400 حديث"، بالإضافة لمؤلفات وبحوث موسوعية تربو عن الثلاثين.

وقال الشيخ الزحيلي في المقدمة إنه لم يحظَ كتاب في الوجود بعناية مثلما حظي به القرآن الكريم، الذي كُتبت حوله مئات الكتب، وسيظل مورد العلماء، وهذا بالتالي كتاب اصطفيتُ فيه من العلوم والمعارف والثقافات المستقاة من معين القرآن الكريم الذي لا ينضب، ما هو لصيق الصلة بحاجات العصر، ومتطلبات التثقيف، بأسلوب جلي مبسَّط، وتحليل علمي شامل، وتركيز على الغايات والأهداف المنشودة من تنزيل القرآن المجيد، ومنهج بعيد عن الإطالة المملّة، والإيجاز المخلّ الذي لا يكاد يفهم منه شيء لدى جيل بعدوا عن اللسان العربي في طلاوة بيانه، وأعماق تراكيبه، وإدراك فحواه، وكأنهم أصبحوا - بالرغم من الدِّراسات الجامعية المتخصصة - في غربة عن المصادر الأصيلة، والثروة العلمية العريقة في شتى العلوم من تاريخ وأدب وفلسفة وتفسير وفقه وغيرها من العلوم الإسلامية الكثيرة الخصبة.

وأضاف أنه كان لا بدّ من تقريب ما صار بعيداً، وإيناس ما أصبح غريباً، وتزويد المسلم بزاد من الثقافة بعيدة عن الدّخيل كالإسرائيليات في التفسير، ومتفاعلة مع الحياة المعاصرة، ومتجاوبة مع القناعة الذاتية، والأصول العقلية، والمرتكزات الفكرية السليمة، وهذا يقتضينا تمحيص المنقول في تفاسيرنا، حتى إن منها - تأثراً بروايات إسرائيلية - أحدث شرخاً غير مقصود في عصمة بعض الأنبياء، واصطدم مع بعض النظريات العلمية التي أصبحت يقينية الثبوت بعد غزو الفضاء، واتساع ميادين الكشوف العلمية الحديثة، علماً بأن دعوة القرآن تركزت على إعمال العقل والفكر وشحذ الذهن وتسخير المواهب في سبيل الخير، ومحاربة الجهل والتخلف.

وأوضح أن هدفه الأصيل من هذا المؤلَّف هو ربط المسلم بكتاب الله عزّ وجلّ ربطاً علمياً وثيقاً؛ لأن القرآن الكريم هو دستور الحياة البشرية العامة والخاصة، للناس قاطبة، وللمسلمين خاصة، لذا لم أقتصر على بيان الأحكام الفقهية للمسائل بالمعنى الضيق المعروف عند الفقهاء، وإنما أردت إيضاح الأحكام المستنبطة من آي القرآن الكريم بالمعنى الأعم الذي هو أعمق إدراكاً من مجرد الفهم العام، والذي يشمل العقيدة والأخلاق، والمنهج والسلوك، والدستور العام، والفوائد المجنية من الآية القرآنية تصريحاً أو تلميحاً أو إشارةً، سواء في البنية الاجتماعية لكل مجتمع متقدم متطور، أم في الحياة الشخصية لكل إنسان، في صحته وعمله وعلمه وتطلُّعاته وآماله وآلامه ودنياه وآخرته.

وتابع يقول إذا كان هدفي هو وضع تفسير للقرآن الكريم يربط المسلم وغير المسلم بكتاب الله تعالى - البيان الإلهي ووحيه الوحيد حالياً، الثابت كونه كلام الله ثبوتاً قطعياً بلا نظير له ولا شبيه - فإنه سيكون تفسيراً يجمع بين المأثور والمعقول، مستمداً من أوثق التفاسير القديمة والحديثة، ومن الكتابات حول القرآن الكريم تأريخاً، وبيان أسباب النزول، وإعراباً يساعد في توضيح كثير من الآيات، ولست بحاجة كثيرة إلى الاستشهاد بأقوال المفسرين، وإنما سأذكر أولى الأقوال بالصواب بحسب قرب اللفظ من طبيعة لغة العرب وسياق الآية.

وشدد على أنه ليس في كل ما كتب متأثراً بأي نزعة معينة، أو مذهب محدد، أو إرث اعتقادي سابق لاتجاه قديم، وإنما رائده هو الحق الذي يهدي إليه القرآن الكريم، على وفق طبيعة اللغة العربية، والمصطلحات الشرعية، مع توضيح آراء العلماء والمفسرين، بأمانة ودقة وبُعْد عن التعصب.

وأكد أنه ينبغي البعد عن استخدام آيات القرآن لتأييد بعض الآراء المذهبية أو اتجاهات الفرق الإسلامية، أو التعسُّف في التأويل لتأييد نظرية علمية قديمة أو حديثة؛ لأن القرآن الكريم أرفع بياناً، وأرقى مستوى، وأعلى شأناً من تلك الآراء والمذاهب والفِرَق، وليس هو كتاب علوم أو معارف كونية كالفلك وعلم الفضاء والطب والرياضيات ونحوها، وإن وجدت فيه بعض الإشارات إلى نظرية ما، وإنما هو كتاب هداية إلهية، وتشريع ديني، ونور يهدي لعقيدة الحق، وأصلح مناهج الحياة، وأصول الأخلاق والقيم الإنسانية العليا، كما قال الله تعالى: {قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ وَيَعْفُو يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 5/15-16].

وأردف الشيخ الزحيلي أن منهجه أو خطة بحثه ينحصر فيما يأتي:

1- قسمة الآيات القرآنية إلى وحدات موضوعية بعناوين موضحة.

2- بيان ما اشتملت عليه كل سورة إجمالاً.

3- توضيح اللغويات.

4- إيراد أسباب نزول الآيات في أصح ما ورد فيها، ونبذ الضعيف منها، وتسليط الأضواء على قصص الأنبياء وأحداث الإسلام الكبرى كمعركة بدر وأُحد من أوثق كتب السِّيرة.

5- التفسير والبيان.

6- الأحكام المستنبطة من الآيات.

7- البلاغة وإعراب كثير من الآيات، ليكون ذلك عوناً على توضيح المعاني لمن شاء، وبعداً عن المصطلحات التي تعوق فهم التفسير لمن لا يريد العناية بها.

وحرص المؤلف بقدر الإمكان على التفسير الموضوعي: وهو إيراد تفسير مختلف الآيات القرآنية الواردة في موضوع واحد كالجهاد والحدود والإرث وأحكام الزواج والرِّبا والخمر، وفي تقديره أن هذه الخطة تحقق بمشيئة الله نفعاً كبيراً، بحيث يكون هذا التأليف سهل الفهم، سريع المأخذ، محل الثقة والاطمئنان، يرجع إليه كل باحث ومطَّلع، في وقت كثر فيه القول والدّعوة إلى الإسلام في المساجد وغيرها، ولكن مع مجافاة الصواب، أو الخلط، أو مجانبة الدقة العلمية، سواء في التفسير أو الحديث أو الإفتاء وبيان الأحكام الشرعية، وعندها يظلّ الكتاب هو المرجع الأمين وموضع الثقة للعالم والمتعلم، منعاً من إضلال الناس والإفتاء بغير علم، وحينئذٍ يتحقق بحق غرض النَّبي صلى الله عليه وسلم من تبليغ القرآن في قوله: ((بلِّغوا عني ولو آية)) ، لأن القرآن هو المعجزة الباقية من بين سائر المعجزات.

وقال الشيخ الزحيلي إنه بهذه الخطة في بيان المراد من آي كتاب الله مفرداتٍ وتراكيبَ، ربما يكون قد حقَّق غايته من ربط المسلم بقرآنه، وقام بالتَّبليغ الواجب على كل مسلم بالرغم من وجود موسوعات أو تفاسير قديمة اعتمد عليها، وقد تميزت إما بالتركيز على العقائد والنّبوات والأخلاق والمواعظ وتوضيح آيات الله في الكون، كالرّازي في التفسير الكبير، وأبي حيان الأندلسي في البحر المحيط، والألوسي في روح المعاني، والكشاف للزمخشري.

وإما بتوضيح القصص القرآني وأخبار التاريخ، كتفسير الخازن والبغوي، وإما ببيان الأحكام الفقهية بالمعنى الضيِّق للمسائل والفروع والقضايا كالقرطبي وابن كثير والجصاص وابن العربي، وإما بالاهتمام باللغويات كالزمخشري وأبي حيان، وإما بالقراءات كالنسفي وأبي حيان وابن الأنباري، وابن الجزري في كتابه "النشر في القراءات العشر"، وإما بالعلوم والنظريات العلمية الكونية مثل طنطاوي جوهري في كتابه "الجواهر في تفسير القرآن الكريم".

وعليه، فإنّ التفسير المنير، الذي أصدرته دار الفكر السورية في طبعة فاخرة عبر 17 مجلدا، ليس مجرد تفسير للقرآن؛ بل فيه مع ذلك كل علوم العقيدة والشريعة ومناهج الحياة المتعلقة به في تعدد آفاقها.

وليس مجرد جمع وتلخيص، بل هو اصطفاء للأصح والأسلم والأنفع، والأقرب لروح القرآن، من كل قديم وجديد.

إنه مرجع ضروري لكل بيت ومكتب، ولكل مسلم ومسلمة، ولكل عالم وباحث.

ونشير في الختام أن هذا التفسير الموسوعي الرائع الذي طبعته دار الفكر بدمشق في طبعة مجلدة وفاخرة جدا من 17 مجلدا، متوفر حصريّا بالجزائر لدى "دار الوعي"، لكل من يرغب في الاستفادة منه، حيث يمكنه التواصل معها عبر حسابها الرسمي على مواقع التواصل الاجتماعي.

تاريخ May 16, 2020