إعلان
إعلان

دراسة مميزة تبحث التقاطع بينهما: إسهام علم النفس في خدمة مقاصد الشريعة الإسلامية

منذ شهر واحد|قراءة في كتاب

صدر مطلع العام الجاري كتاب " إسهام علم النفس في خدمة مقاصد الشريعة الإسلامية"، للباحث المتخصص الدكتور سعيد الشويّة، مناصفة عن دار الكلمة للنشر والتوزيع والدار المغربية.

وقدم للعمل المميز الدكتور وصفي عاشور أبو زيد، أستاذ مقاصد الشريعة الإسلامية، حيث قال " كنت قد اهتممت قبل فترة بعلمي النفس والاجتماع، وأردت أن آخذ بنصيب من الثقافة العامة فيهما، ومن ذلك أنني وجدت كتابا بعنوان: " أهم خمسين كتابا في علم النفس" تأليف: توم باتلر، وهو كتاب يستكشف أفكار ومؤلفات رموز كبيرة في علم النفس، ويهدف لتسهيل القراءة في مجال علم النفس لغير المختصين، ويستعرض عدد خمسين كتابا تمثل أشهر التجارب والبحوث في علم النفس، ومن الأسف أنني قرأت عناوين الخمسين كتابا فلم أجد بينها باحثًا مسلمًا، ولا بحثًا يتناول علم النفس في الإسلام، كلها كتب غربية ونظرياتها التي ينطلق منها هي نظريات الغرب المادية التي لا علاقة لها بعقيدتنا وشريعتنا، رغم أن عندنا من التراث الزاخر، ومن نصوص الوحي الشريف، ومن السيرة النبوية الشريفة التي هي مجلي نصوص الوحي الشريف ما يمكّننا من استخراج نظريات متكاملة في علم النفس تحتاج من المصدر المعصوم فلسفةً وأدواتٍ وأساليبَ بما يمكن أن يكتب له الخلود والبقاء والصلاحية الحضارية للزمان والمكان والإنسان.

وأوضح أن القرآن الكريم هو كتاب نفس ومع هذا ليس عندنا تفسير تخصص في إظهار تجليات النفس في القرآن فيقدم لنا تفسيرا نفسيا رغم أن القرآن أعظم كتاب عرفته البشرية يتحدث عن النفس وخطراتها وخواطرها ومساربها الدقيقة وتزكيتها وترقيتها ومخاطبتها .

وقال "عندنا مدونات السنة النبوية التي صدرت عن النبي المعصوم، ومع هذا نجد شروحا للسنة من كل لون وفن، ولا نجد شرحًا نفسيًّا لهذه المتون، عندنا سيرة أشرف خلق الله التي هي التطبيق العملي للإسلام، وفيها كتابات كثيرة ومتنوعة، ومع هذا لم نجد تناولا نفسيا للسيرة النبوية يُجلِّي عظمة النفس النبوية والصحابية، ويبين كيف تعامل النبي مع نفوس البشر ، عندنا فقه إسلامي عظيم فيه من التراث ما ليس لأمة من الأمم، وفيه لمحات نفسية رائقة ومعجزة، ومع هذا لم نجد من يُخرج الدُرَّ من هذه الصدفات! وعندنا الكثير والكثير".

وأكد أن العالم الآن بكل تجلياته الصراعية والتدافعية يصدر عن هذه العلوم، ويهتم بها، ويعتمد عليها؛ حتى إن ما نراه اليوم في عصرنا من تغيرات جذرية وتحولات كبرى هو مظهر من مظاهر الاهتمام بهذه العلوم، ونتيجة من نتائج البحث فيها، ولا يعدو أن يكون من تجلياتها على الأرض، ومع هذا فالمسلمون ليسوا من هذه العلوم اليوم في قليل ولا كثير إلا من رحم الله.

لكن المسلمين اليوم، بحسب صاحب المقدمة، بدؤوا يجيبون على سؤال هاشم الرفاعي، وظهرت نابتةُ معرفية طيبة في عالمنا تريد أن تؤسس لعلوم إنسان إسلامية، تنتجع أرض الإسلام في التأسيس لهذه العلوم، وتبين ما للإسلام من سبق وريادة في هذا المجال من غير اعتساف ولا تكلف، وما أحوجنا لجيوش متخصصة تقوم على هذه العلوم، وتستخرج نظرياتها من الوحي المعصوم، ومن تراث علمائنا الذي خلفوه، وما أكثر ما خلفوا وأعظم ما تركوا!

ومن عظيم توفيق الله تعالى على المسلمين أن هيأ لهم هذه الصحوة المقاصدية التي احتلت من تفكير العقل المسلم المعاصر مساحة كبيرة، وأخذت مكانتها، وفعلت فعلها: تأسيسا وتأصيلا، وتفعيلا وتشغيلا، ومنهجا وفكرا، وأبحاثا ومؤلفات، وندوات ومؤتمرات، ومراكز وبرامج، وغير ذلك مما يدل دلالة قاطعة على الأهمية الكبيرة التي يمثلها هذا العلم في واقعنا المعاصر.

ولقد قطعت المقاصد شوطا كبيرًا في مجال التأصيل الشرعي لها، وبيان معالمها، وقواعدها، ومسالك الكشف عنها، وضوابط اعتبارها، ومعايير تنزيلها والتحقق من تحققها، وأنواعها وأقسامها، وآثارها وفوائدها .. وقطعت شوطًا لا بأس به كذلك من التفعيل في العلوم، وإن كانت العلوم الإنسانية تحتاج إلى اهتمام خاص، وهي اليوم بحاجة لمن يجعلها ثقافة عامة بين المسلمين.

وأكد الدكتور وصفي عاشور أبو زيد على أن الجمع بين ثقافتين هو الذي ينتج المعرفة الجديدة المبدعة، فالعالم الذي اكتفى بحقل العلوم الشرعية لا يكون إنتاجه أبدا بقيمة إنتاج الجامع بين ثقافة علوم القانون وعلوم الشريعة، والعالم المكتفي بعلوم النقل - وهي كثيرة - لا يكون إنتاجه في جودة وإتقان من جمع في ثقافته بين علوم النقل وعلوم العقل، والذي يقرأ بالعربية فقط لا يكون إبداعه وإنتاجه المعرفي وأفقه الفكري كالذي يعرف العربية والإنجليزية، فضلا عن معرفة لغات أخرى، فالثاني من كل هذا يتوفر لديه أفق أوسع، ويتمتع بالاطلاع على تنوع واختلاف وتجارب جديدة تعطيه ثراء وسعة يشكل منها مساحات جديدة في البحث والفكر والنظر والإنتاج والإبداع.

ومن هذا المنطلق، يقول، فنحن بحاجة إلى الوصل بين العلوم، وإلى البحث في المناطق البينية به؛ لنفحص مساحات التأثير والتأثر، ولننظر مدى إمكانية إفادة العلوم بعضها من بعض: فهما وتطبيقا، وتأثيرا وتأثرا، وضبطا وترشيدا، واجتهادا وتنزيلا، وتفعيلا وتشغيلا .. وهذه النوعية من الأبحاث تفتقر إليها مكتبتنا الإسلامية والفكرية وتحتاج إليها.

واعتبر كتاب "إسهام علم النفس في خدمة مقاصد الشريعة الإسلامية"، محاولة جادة تضمنت تعريف المقاصد، وتعريف علم النفس، وبيان التقاطع بينهما، والتأصيل الإسلامي لعلم النفس من حيث واقع علماء النفس المسلمين مع علم النفس الغربي، والدعوة إلى تأصيل علم نفس إسلامي، وبيان أقسامه باعتبار موافقته لمقاصد الشريعة ومخالفته لها، وظهور مؤسسات علمية تحمل هم مشروع التأصيل الإسلامي لعلم النفس، وذكْر بحوث ودراسات في علم النفس من وجهة نظر إسلامية.

ثم تحدث الكتاب عن ستة مقاصد هي: مقصد حفظ الدين، ومقصد حفظ الصحة الجسدية، ومقصد حفظ الصحة النفسية، ومقصد حفظ النسل، ومقصد حفظ العقل، ومقصد حفظ المال.

ومع كل مقصد من هذه المقاصد يبين طريقة الشرع الشريف في حفظ هذا المقصد من نواحيه المختلفة، ثم يبين مدى إسهام علم النفس في حفظ كل مقصد من هذه المقاصد بذكر الأنحاء المختلفة التي كان لعلم النفس فيها إسهام في خدمة كل مقصد من هذه المقاصد الستة.

ويتميز هذا البحث، من وجهة نظره، بأنه يوثق كلامه عن المقاصد من المصادر المقاصدية مع الاختصار والتركيز، ويرجع في كلامه عن علم النفس لرواده المسلمين المعاصرين بإسهاب وتفصيل مطلوبين هنا، كما أنه يقف مع القارئ المعاصر على الجهود المبذولة حتى الآن في محاولات تأصيل وتأسيس علم نفس إسلامي بحق من خلال الأفكار التي يوردها والمراجع التي يرجع إليها؛ فضلا عن أنها محاولة إبداعية بِكْرٌ لبيان أثر المقاصد في علم النفس، والأكثر من هذا والأهم هو بيان مناحي خدمة علوم النفس لخدمة مقاصد الشريعة الإسلامية .

وخلص إلى أننا أمام محاولة تمزج بين العلوم الإنسانية في صورة علوم النفس، وبين العلوم الشرعية في صورة المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية.

تاريخ Mar 1, 2020