الحراك الإخباري - الحجاب التركي يفرض نفسه على الجزائريات... الموضة الشرعية
إعلان
إعلان

الحجاب التركي يفرض نفسه على الجزائريات... الموضة الشرعية

منذ 7 أشهر|روبرتاج


    لم يعد الحجاب مجرد رمز ديني أو عنوان الإلتزام الإجتماعي بكل قيوده وإكراهاته، ولم تعد المتحجبة مجبرة على الإختباء وراء جلباب واسع وخمار، بل صار بإمكان المحجبات أيضا أن يظهرن أنيقات، ويركضن خلف الموضة، بل وفيهن من تطمح لتكون عارضة أزياء.
جولة واحدة في محلات الألبسة النسائية بالعاصمة تضعنا أمام الصورة التي صار عليها الحجاب اليوم، والخيارات المتاحة أمام المحجبات، حيث أصبح بإمكانهن البحث في المجلات عن آخر صرعات للف الخمار وأحدث التصميمات والتفصيلات لتنانير والبدلات التي تراعي فيها أيضا جمال الألوان وتناسقها، مرفقة طبعا بالإكسسوارات مثل الدبابيس التي يثبت بها الخمار، والتي يراعى فيها أن تكون من نفس لون حقائب اليد والأحذية والنظارات الشمسية، مما يضفي على المحجبة مظهر أنيقا يرى فيه البعض فتنة أكثر من السافرات حاسرات الرأس.
صار اليوم ما يعرف بالحجاب التركي المتشكل غالبا من قطعتين أو أكثر بألوان زاهية مرفقا بالإكسيسوارات موضة المحجبات.
وقد عرف هذا النوع من الحجاب إقبالا وانتشارا وسط الجزائريات، خاصة بعد انتشار موجة الأفلام والمسلسلات التركية، حيث ساهمت هذه الأعمال في نشر صورة مغايرة عن المرأة المحجبة التي بإمكانها أيضا أن تكون ناجحة وأنيقة.
 فعلى غرار باقي الألبسة صار أيضا للحجاب علامات تجارية راقية تستقطب السيّدات على غرار علامة "دوجاني"، وهي تشكيلة كلاسيكية تتكون من حجاب طويل في شكل معطف بحزام وسروال، وكذا علامة "رمين" ذات اللمسة المميزة من خلال خطوط التفصيل والأزرار، وكذا الأحزمة التي تضفي على السيّدة لمسة مميزة تذوب أمام إغراء أسعارها المرتفعة مقارنة بباقي العلامات التي تعرفها السوق الجزائرية، وهي علامة تقبل عليها السيدات تحديدا، فيما تفضل الأوانس وطالبات الجامعة تفصيلات علامة "بلايز" التي تأتي في الغالب مشكلة من قطعتين، سروال وبلوزة، تناسب كل الأذواق.
وقد أتاح الحجاب التركي أمام المرأة عدّة خيارات تمكّنها من تتبع الموضة وممارسة حقها في الظهور بمظهر جميل.
يقول صاحب محل لبيع الملابس النسائية بالجزائر العاصمة "الأناقة التركية كما يسميها البعض قادت الكثير من المحجبات إلى الحلم بنجومية عارضات الأزياء "ليكات" طويلة ومزينة بتطريزات تلبي مختلف الأذواق".
في شارع العربي بن مهيدي تتزاحم السيدات على إحدى المحلات الكبرى التي تقدم تحفظات مغرية لهذا النوع من الحجاب، حيث كانت الإعلانات تغطي الواجهات الزجاجية الثلاث للمحل تعلن عن كل من تشتري حجابين تحصل على الثالث هدية.
صاحب محل آخر أكد لنا أن هناك الكثير من السيدات اليوم يفضلن "الحجاب التركي" لما يوفره لهن من أناقة ولمسة جمالية لا تتعارض مع "الشرع" بحيث يمكن للسيّدة أن تكون جميلة ومحتشمة في آن واحد وصارت هذه الأزياء مثل غيرها تخضع لقوانين "الصولد" وتنزيلات الأسعار التي تعرفها المواسم وهو ما يتيح للكثيرات اغتنام الفرصة واقتناء ما ترينه مناسبا لهن.
 لم تكن التغيرات التي طرأت على الحجاب بمعزل عن الحركية التي عرفها المجتمع الجزائري منذ انتشار حجاب "الصحوة الإسلامية"، الحجاب الأفغاني أو الشرعي، إلى العباءة الخليجية، وصولا إلى الحجاب التركي، فقد رافقت هذه التغيرات مصطلحات اجتماعية وشعبية على غرار تسمية "حجاب نص طياب"، التي تطلق على كل لوك مخالف في نظر المجتمع لما يعرف ب"الحجاب الشرعي" الذي كان منتشرا في بداية الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي عرف فيها الشارع الجزائري موجة تحجب كبيرة تماشيا مع التغيرات الإجتماعية التي طرأت على الجزائر وتراجع اللباس التقليدي الذي كانت تظهر به المرأة في الشارع، مثل الحايك والملاية والملحفة والجبة القبائلية، ومع ظهور أشكال أخرى من الحجاب رافقتها تسميات اجتماعية وشعبية تسخر منها وتختزن الرفض الإجتماعي لظهورها مثل"حجاب "سبانش" و"حجاب طاطا".
فخمار "سبانش" مثلا هو رمز للطريقة التي تلف بها بعض المحجبات الخمار بطريقة تشبه راقصات الفلامينكو الإسبانيات، اللواتي يضعن خمارا أحمرا مربوطا إلى جانب الرأس في شكل وردة. وخمار الخليجيات الذي تضع معه المحجبة شيئا لرفع الشعر بشكل يناسب طريقة الخليجيات وتلقب في الشارع الجزائري ب" الباطيمات" أو" طوابق العمارات".
بينما الخمار التركي يعتمد على لف خمار الرأس المصنوع غالبا من الحرير بطريقة أنيقة مع الحرص على أن يكون لونه متماشيا مع الحذاء أو حقيبة اليد والدبابيس التي تستعمل في تثبيته وفي بعض الأحيان تضاف إليه بعض الإكسسوارت مثل السلاسل التي تتدلى من الرقبة أو ساعات اليد والأساور أو "بروش" يثبت في مقدمة الثوب.
تقول صاحبة محل بيع الخمارات في شارع العربي بن مهيدي بالعاصمة أنها تتلقى يوميا عشرات الطلبات من قبل زبوناتها اللواتي تقدم لهن نصائح في طريقة لف الخمار وتقول صاحبة المحل أن الطريقة التركية هي الأكثر طلبا من قبل طالبات الجامعة وموظفات المؤسسات العليا والإطارات، فهن يرغبن في الظهور بمظهر أنيق وعادة ما يطلبن نصائحها في تنسيق الألوان وقطع الثياب، لأن "طريقة الخمار التركي" تناسب أغلب النساء وجميع أحجام وأشكال الوجوه، كونه يجمع بين الإلتزام الشرعي والحداثة التي لا مفر منها لأي امرأة عصرية اليوم.

تربط الأستاذة والمحللة الإجتماعية الدكتورة "ثريا تيجاني" بين الحجاب كمظهر اجتماعي للمرأة، وبين مختلف التغيّرات التي عرفها المجتمع وسايرتها المرأة، فالحايك مثلا الذي كان في السابق اللباس الذي ترتديه النساء عند الخروج يفرض نفسه بقوة، اضطرت لاحقا النساء إلى التخلي عنه مع التقدم الحاصل في حجم المكاسب التي حققتها النساء في مجال العمل والتعليم والتي صار معها الحايك وسيلة غير عملية ولا تساعد كثيرا المرأة في التحرك، وهي التي كان مجالها الاجتماعي في السابق محدودا جدا في الدخول والخروج.
وفي نفس السياق، ترجع المتحدثة مختلف أشكال الحجاب التي عرفها المجتمع الجزائري وحملتها المرأة إلى الاحتكاك الحاصل بين الثقافات القادمة إلينا سواء عن طريق التجارة أو الحج أو السياحة أو الإعلام فالنموذج السعودي أو الإيراني في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات والذي رافق موجة ما عرف بالصحوة الإسلامية، حيث أن صعود التيارات الإسلامية وسطوتها الإجتماعية تنعكس أيضا في لباس المرأة.
كما نجد اليوم - تضيف المتحدثة - أن نموذج الحجاب التركي يعكس الإحتكاك الحاصل من خلال الإعلام بالثقافة التركية والإنفتاح التجاري الثقافي على تركيا إضافة إلى المسلسلات التي تسوق النموذج الناجح للإستهلاك، خاصة وأنه يقوم على رابط الدين المشترك ومن طبع المرأة الجزائرية أنها اجتماعية تبحث عن مساحات التعايش بعيدا عن الصدامات الأمر الذي يجعل حاليا هذا النموذج يوفر لها فرصة الظهور بمظهر الأناقة والجمال التي تواكب العصر، وفي نفس الوقت دون الخروج عن الحشمة أو الذوق الإجتماعي العام المتفق عليه، يعني أنه أفضل نموذج للتعايش الإجتماعي بين الأصالة والحداثة.

نعيمة .م

تاريخ Feb 8, 2020